ما قل ودل

من أحمد زبانة إلى عبد الناصر بن كلفة…الجزائر خزان أبطالها لا ينضب

صورة للبطل و هو يحاول إنقاذ الطفلين

شارك المقال

في كل مرة يظن البعض أن زمن الأبطال قد ولى، تخرج الجزائر من بين أحيائها الشعبية ومن شوارعها البسيطة رجالا يعيدون إلى الأذهان معنى الشجاعة والتضحية. فكما أنجبت هذه الأرض أحمد زبانة والعربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد، فإنها ما تزال قادرة على إنجاب أبطال من طينة خاصة، لا يبحثون عن الشهرة ولا ينتظرون الأضواء، بل تدفعهم الفطرة الجزائرية إلى مواجهة الخطر عندما تستدعيهم الإنسانية.

وفي حي الياسمين بوهران، وبين ألسنة اللهب والدخان الكثيف، كتب الشاب عبد الناصر بن كلفة صفحة جديدة من صفحات البطولة الجزائرية. ففي الوقت الذي كان فيه الحريق المهول يلتهم أجزاء من العمارة ويزرع الرعب في قلوب السكان، كان طفلان عالقان في الطابق الحادي عشر يواجهان مصيرا مجهولا.

ولم يكن أمام الجميع سوى انتظار وصول أعوان الحماية المدنية، غير أن ثواني الخوف كانت تمر ثقيلة، بينما كان الخطر يقترب من الطفلين المحاصرين بالنيران والدخان.

في تلك اللحظة، قرر عبد الناصر بن كلفة أن يفعل ما يعجز عنه الكثيرون. لم يفكر في المخاطر، ولم يحسب احتمالات السقوط، ولم يسأل عن العواقب، بل استجاب لنداء الإنسانية الذي يسكن قلب كل جزائري أصيل.

تسلق واجهة العمارة في مشهد أعاد إلى الأذهان مغامرات “سبايدرمان”، غير أن ما قام به لم يكن فيلما سينمائيا أو مشهدا تمثيليا، بل كان مخاطرة حقيقية بين الحياة والموت. فكل خطوة كان يخطوها نحو الأعلى كانت تقربه من الخطر، لكنها كانت أيضا تقرب الطفلين من النجاة.

وبمساعدة بعض سكان العمارة من السطح، تمكن هذا الشاب الشجاع من الوصول إلى الشرفة التي احتمى بها الطفلان، ليمنحهما الأمل في لحظات كانت تبدو فيها النهاية وشيكة، إلى غاية وصول أعوان الحماية المدنية الذين أكملوا عملية الإنقاذ.

لقد أثبت عبد الناصر بن كلفة أن البطولة لا تحتاج إلى أوسمة ولا إلى مناصب، وأن الشجاعة الحقيقية تظهر عندما يضع الإنسان حياته على المحك من أجل إنقاذ الآخرين.

وإذا كان الشهيد أحمد زبانة قد واجه المقصلة دفاعا عن الوطن، فإن عبد الناصر واجه النار والدخان دفاعا عن أرواح بريئة. فالزمن يختلف، لكن معدن الرجال يبقى واحدا، وتظل الجزائر ولّادة بالأبطال.

لقد انتشرت صور ومقاطع هذا الشاب بسرعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحول بين ليلة وضحاها إلى بطل شعبي، ليس لأنه بحث عن الشهرة، بل لأن الجزائريين وجدوا فيه صورة لأنفسهم، ورأوا فيه ذلك الشاب الذي يتحول في لحظات الشدة إلى أسد جسور لا يخشى المخاطر.

إن ما حدث في حي الياسمين يؤكد مرة أخرى أن خزان الأبطال في الجزائر لم ينفد، وأن قيم الشهامة والنخوة والتضحية ما تزال متجذرة في المجتمع الجزائري، تنتظر فقط اللحظة التي تستدعيها.

ففي زمن طغت فيه الفردانية والمصالح الضيقة، يخرج شاب بسيط من أحد أحياء وهران ليذكر الجميع بأن الإنسان يمكنه أن يكون أكبر من الخوف، وأن الشجاعة ليست حكرا على أشخاص دون غيرهم، بل قد يسكن بطل في أي حي شعبي، وفي أي بيت متواضع.

لقد أنقذ عبد الناصر طفلين من موت محقق، لكنه في الوقت نفسه أنقذ شيئا آخر أكثر أهمية، وهو إيمان الجزائريين بأن أرض المليون ونصف المليون شهيد ما تزال تنجب الرجال….فمن قال إن خزان أبطال الجزائر قد نفد؟

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram