ما قل ودل

انتهى زمن النسخ واللصق…الإعلام الرياضي يدخل عصر التحليل

شارك المقال

لم تعد التغطية الصحفية للمباريات محلية كانت أو دولية مجرد عملية نقل للأحداث أو إعادة صياغة ما تنشره الوكالات والمواقع الأجنبية، بل تحولت إلى عمل إعلامي مرّكب يجمع بين المعرفة الرياضية والتحليل الفني والقدرة على قراءة السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بالحدث الرياضي.

ففي عالم الصحافة الرياضية الحديثة، لم يعد الصحفي مطالبًا فقط بذكر نتيجة المباراة أو أسماء الهدافين، وإنما أصبح مطالبًا بقراءة المباراة كما يقرأها المدرب، وفهم التحولات التكتيكية، وتحليل خيارات الأجهزة الفنية، واستيعاب الأبعاد النفسية والبدنية التي تؤثر على أداء اللاعبين والمنتخبات.

لقد أفرزت المصادر المفتوحة والتحول الرقمي واقعًا جديدًا، جعل المعلومة متاحة للجميع، ولم يعد السبق الصحفي مرتبطًا بمن ينشر أولًا، بل بمن يفهم أكثر ويحّلل بصورة أعمق. فالجمهور اليوم يشاهد المباريات مباشرة، ويتابع الإحصائيات الفورية، ويطالع التحليلات عبر مختلف المنصات، ولذلك لم يعد يقبل بالمحتوى السطحي أو المقالات المنسوخة.

وأصبحت تغطية كرة القدم، خاصة على المستوى الدولي، فناً إعلاميًا قائمًا بذاته، يعتمد على التحليل، والبيانات، والقراءة التكتيكية، واستيعاب البيئة الكاملة التي تتحرك فيها البطولة، بدءًا من الجماهير والمدن المستضيفة، ومرورًا بالاقتصاد الرياضي، والنقل، والتكنولوجيا، ووصولًا إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والشائعات الرقمية, و هو ما أصبحنا نشاهده بأم أعيننا من خلال التطور المهول الذي بات يعرفه الإعلام الرياضي خلال منافسة المونديال الحالي.

وفي المقابل، كشفت التطورات الأخيرة حجم الأزمة التي يعيشها جزء من الإعلام الرياضي العربي، حيث لا تزال بعض المنابر تعتمد على أسلوب النسخ واللصق من المواقع الأجنبية أو المحلية دون اجتهاد أو تحليل أو إضافة مهنية، وهو ما يفقد العمل الصحفي قيمته ويضع صاحبه أمام اتهامات بالسرقة الأدبية وانتهاك أخلاقيات المهنة.

فالسرقة الصحفية ليست مجرد خطأ مهني بسيط، بل تمثل اعتداءً على الملكية الفكرية، وتتنافى مع القوانين المنظمة للعمل الإعلامي في مختلف دول العالم، شأنها شأن أي اعتداء على الحقوق المادية أو المعنوية. كما أن التطور التكنولوجي ومنصات كشف التشابهات النصية باتت قادرة على فضح الممارسات غير المهنية في وقت وجيز.

ومن هنا، يبرز التكوين الأكاديمي والتأهيل المهني كضرورة ملحة وليس كخيار ثانوي. فالصحفي الرياضي المعاصر يحتاج إلى تكوين في علوم الإعلام والاتصال، ومعرفة بقوانين اللعبة، وإلمام بالتحليل التكتيكي، وقدرة على التعامل مع البيانات والإحصائيات، إلى جانب امتلاك أدوات اللغة والتحرير والتحقق من المعلومات.

ولعل من أبرز الإشكالات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة تعرض بعض الصحفيين للإحراج خلال الندوات الصحفية بسبب ضعف الإلمام بالجوانب الفنية للعبة، الأمر الذي جعل بعض المدربين يشككون في مستوى الأسئلة المطروحة وفي قدرة بعض الإعلاميين على فهم الخطط والتصورات التكتيكية.

إن الصحفي الرياضي الحقيقي لم يعد مجرد ناقل للحدث، بل أصبح محللاً وشارحًا ومفسرًا ومراقبًا، يقرأ المباراة داخل المستطيل الأخضر وخارجه في الوقت نفسه. وهو مطالب بفهم الضغط النفسي، والإعداد البدني، والتحولات على مستوى الخطط التكتيكية، وتأثير الجماهير، والعوامل الاقتصادية والإعلامية التي تحيط بالرياضة الحديثة.

وفي المقابل، فإن تطبيق المعايير المهنية الصارمة، وتشجيع التكوين المستمر، ومكافحة السرقات الصحفية، سيؤدي حتمًا إلى فرز طبيعي داخل القطاع، حيث سيجد المتطفلون على الإعلام الرياضي أنفسهم خارج المنافسة أمام صحفيين يمتلكون الكفاءة والمعرفة والأدوات العلمية اللازمة.

لقد انتهى زمن الصحفي الذي يكتفي بنسخ الأخبار أو إعادة تدوير المقالات. وأصبح الإعلام الرياضي اليوم صناعة متكاملة ومنتجًا معرفيًا يخضع لتقييم الجمهور والمؤسسات والمهنيين على حد سواء.

فإذا كانت كرة القدم قد تطورت تكتيكيًا وبدنيًا وتكنولوجيًا، فإن الصحافة الرياضية مطالبة هي الأخرى بالتطور، لأن مستقبل الإعلام لن يكون لمن يكتب أكثر و من يبقى في المكتب أكثر كما يفهمه بعض الرويبضة الذين دخلوا عالم الإعلام بحادث عرضي و طولي، وإنما لمن يفهم أكثر ويحلل بصورة أعمق ويضيف قيمة حقيقية للقارئ.

إن الصحفي الرياضي في القرن الحادي والعشرين مطالب بأن يقرأ المباراة كما يقرأها المدرب، وأن يفهم اللعبة كما يفهمها اللاعب، وأن يكتب للقارئ بلغة المعرفة لا بلغة النسخ والتكرار. وعندها فقط يمكن للإعلام الرياضي أن يرتقي إلى مصاف العالمية، وأن يستعيد دوره الحقيقي كسلطة معرفية تواكب تطور الرياضة الحديثة. و هو ما يجب اتخاذه كمعيار على أساسه يمكن الحكم على أي جريدة أو موقع بالزوال من عدمه.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram