في زمن أصبحت فيه الأخبار السوداء تتسابق لاحتلال شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي، وفي وقت أنهكت فيه قصص الاعتداءات والسرقات والجرائم مشاعر الناس، خرج من بين الدخان واللهب شاب بسيط اسمه عبد الناصر بن كلفة ليعيد إلى المجتمع إيمانه بأن الخير لا يزال يسكن بيننا، وأن البطولة لا تحتاج إلى أوسمة ولا إلى مناصب، بل تحتاج إلى قلب شجاع لا يعرف التردد.
لم يكن عبد الناصر نجماً معروفاً، ولم يكن صاحب نفوذ أو مال أو شهرة، بل كان شاباً بسيطاً يواجه مثل آلاف الشباب تحديات الحياة اليومية وآلام البطالة وقسوة الظروف. لكن القدر شاء أن يضعه أمام اختبار لا ينجح فيه إلا أصحاب القلوب الكبيرة.
ففي تلك اللحظات المرعبة التي التهمت فيها النيران إحدى العمارات بحي الياسمين بوهران، وبين صرخات الأطفال واستغاثات السكان، قرر عبد الناصر أن يواجه الموت وجهاً لوجه. تسلق العمارة إلى غاية الطابق العاشر، متحدياً الخوف والدخان والارتفاع الشاهق، لينتزع طفلين من بين ألسنة اللهب ويعيد إليهما الحياة.
لم يكن يفكر في الشهرة، ولم يبحث عن كاميرات الهواتف أو عدسات المصورين، بل كان مدفوعاً بغريزة إنسانية خالصة جعلته يضع حياته على كفه من أجل إنقاذ أرواح بريئة. وفي تلك اللحظة بالتحديد، ولد بطل جديد في مدينة وهران، بطل صنعه الإخلاص والشجاعة والإحساس بالمسؤولية.
وبين عشية وضحاها، تحول اسم عبد الناصر بن كلفة إلى حديث الشارع والمقاهي ومواقع التواصل الاجتماعي. انهالت عليه كلمات التقدير والدعوات من المطاعم والمؤسسات، وتلقى هدايا وتكريمات، كما بادرت جمعية “راديوز” إلى الالتفاتة الإنسانية التي عودت عليها الجزائريين في مثل هذه المناسبات، فكان التكريم تعبيراً عن امتنان مجتمع كامل لرجل خاطر بحياته من أجل الآخرين.
ولعل أجمل ما صنعته هذه الحادثة هو ذلك المد التضامني الكبير الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي. فبعد أن اعتاد الناس متابعة الأخبار الحزينة والمشاهد المؤلمة، تحولت المنصات الرقمية إلى فضاء للمحبة والتكافل والاعتراف بالجميل. ولم تقتصر موجة التضامن على البطل فقط، بل امتدت إلى الأسرة المتضررة من الحريق، التي وجدت نفسها محاطة بعطف الجزائريين ومساندتهم.
لقد أعاد عبد الناصر بن كلفة ترتيب أولويات الأخبار، وغيّر اتجاه البوصلة ولو لبرهة. فقد أثبت أن المجتمع الجزائري، رغم كل الصعوبات، لا يزال قادراً على إنتاج الأبطال، وأن قيم الشهامة والنخوة والتضامن لم تمت، بل كانت تنتظر فقط من يوقظها.
إن قصة عبد الناصر ليست مجرد حادثة إنقاذ، بل هي رسالة أمل في زمن القلق، ودليل على أن البطولات الحقيقية لا تُصنع في الأستوديوهات ولا خلف الشاشات، بل تولد وسط الدخان والنار، حين يختار إنسان بسيط أن يغامر بحياته حتى يعيش الآخرون.
وسيظل اسم عبد الناصر بن كلفة محفوراً في ذاكرة وهران، ليس لأنه تسلق عمارة شاهقة، بل لأنه ارتقى في قلوب الجزائريين إلى أعلى المراتب، حيث يسكن الأبطال الحقيقيون.