في خطوة وُصفت بالتاريخية، أعلنت الجزائر عن إطلاق “المجلس الأعلى للكفاءات العلمية والباحثين الجزائريين”، وهي هيئة استشارية عليا تضم أبرز القامات العلمية الجزائرية التي حققت نجاحات باهرة وتاريخية في كبرى المؤسسات الأكاديمية والبحثية والطبية عبر العالم. وجاء هذا الإعلان ليعيد إلى الواجهة ملف “هجرة الأدمغة” القديم المتجدد، وسط تساؤلات جدية حول كيفية تحويل الأمنية الشعبية والنخبوية المستمرة بالاستفادة من هذه الكوادر التي تصنع المعجزات في الخارج، إلى استراتيجية وطنية مستدامة على أرض الواقع.
ولا يختلف اثنان على أن قائمة الأسماء التي يضمها هذا المجلس تمثل “القوة الضاربة” للذكاء الجزائري في الخارج، حيث تبرز شخصيات من طراز عالمي قدمت إسهامات غيرت مجرى العلوم الحديثة. ومن بين هؤلاء البروفيسور إلياس زرهوني، المدير الأسبق معاهد الصحة الوطنية الأمريكية والمستشار العالمي في الابتكار الحيوي، والبروفيسور نور الدين مليكشي، عالم الفيزياء الفلكية بوكالة “ناسا” وصاحب الإسهامات الكبرى في تقنيات الليزر واستكشاف المريخ، والمخترع بلقاسم حبة الذي يعد أيقونة في مجال الإلكترونيات الدقيقة ويمتلك مئات براءات الاختراع التي تشكل عصب الهواتف الذكية الحديثة؛ وإن وجود هذه القامات معًا يعكس رغبة حقيقية في كسر الجدران التقليدية بين الإدارة المحلية والكفاءات المغتربة.
ولتحويل هذا المجلس من واجهة شرفية إلى محرك تنموي حقيقي، يرى خبراء السياسات العامة والإعلام أن التحدي الأساسي لا يكمن في ندرة العقول، بل في مرونة آليات الاستيعاب المتاحة لها. ويتطلب النجاح توفير بيئة عمل مرنة تتجاوز التعقيدات البيروقراطية الكلاسيكية، وتسمح بنقل حقيقي للتكنولوجيا عبر ربط البحث العلمي بالقطاعات الصناعية، بالإضافة إلى خلق جسور مستدامة لتبادل الخبرات والإشراف الأكاديمي المشترك بين علماء الشتات والجيل الجديد من الباحثين والطلبة داخل الجامعات الجزائرية.
إن صناعة المعجزات العلمية في مخابر “ناسا” أو مراكز البحث الأوروبية تثبت أن البيئة والمناخ هما أساس الإبداع والتفوق، وهو ما يفرض اليوم على مؤسسات الدولة العمل بالتنسيق مع المجلس الجديد لخلق بيئات علمية مصغرة داخل الوطن تحاكي المعايير العالمية. وفي النهاية، يبقى تأسيس هذا المجلس خطوة أولى وصحيحة نحو تفعيل “الدبلوماسية العلمية” وبناء اقتصاد المعرفة، فالأمنيات وحدها لا تكفي، لكن تنظيم الصفوف والاعتراف بمكانة العلماء هو البداية الحقيقية لرحلة الألف ميل.