لم تكن وهران مجرد مدينة ساحلية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، بل كانت على امتداد قرون إحدى أهم الحواضر الجزائرية وأكثرها تأثيرًا في المجالين التجاري والعسكري، وهو ما جعلها محط أنظار القوى الأوروبية التي سعت إلى بسط نفوذها على الضفة الجنوبية للمتوسط عقب سقوط الأندلس سنة 1492.
وفي خضم التوسع الإسباني نحو السواحل المغاربية، سقط المرسى الكبير سنة 1505 قبل أن تقع وهران تحت الاحتلال الإسباني سنة 1509، لتدخل المدينة مرحلة صعبة من تاريخها امتدت لما يقارب ثلاثة قرون. وخلال تلك الفترة، عملت السلطات الإسبانية على تحصين المدينة بإقامة القلاع والحصون والأبراج العسكرية، معتقدة أن وجودها في وهران أصبح أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره.
غير أن الجزائريين لم يستسلموا للاحتلال، بل واصلت القبائل والسكان والقيادات المحلية محاولات استرجاع المدينة جيلاً بعد جيل، لتتحول وهران إلى عنوان للمقاومة في الغرب الجزائري.
وفي هذا السياق، برزت مدينة معسكر باعتبارها القاعدة الأساسية للمواجهة ضد الإسبان. فقد كانت عاصمة بايلك الغرب ومركزًا للقرار السياسي والعسكري، ومنها انطلقت الحملات المتتالية التي استهدفت تضييق الخناق على القوات المحتلة. كما لعبت القبائل والفرسان والمتطوعون دورًا بارزًا في دعم هذه الجهود التي استمرت سنوات طويلة.
ولم يكن العلماء بعيدين عن هذه المعركة الوطنية، إذ أدت الزوايا والمساجد في معسكر دورًا كبيرًا في تعبئة المجتمع وترسيخ قيم الجهاد والوحدة. فقد ساهم العلماء في توحيد الصفوف، وحث السكان على التمسك بالأرض والدفاع عنها، وجعلوا من المنابر العلمية فضاءات لغرس روح المقاومة والوفاء للوطن.
ومن أبرز هذه الشخصيات العلمية الشيخ أبو راس الناصري المعسكري، الذي يُعد من كبار علماء الجزائر خلال القرن الثامن عشر. فقد جمع بين التدريس والتأليف والعمل الميداني، ورافق جيش الباي محمد بن عثمان الكبير خلال حملة تحرير وهران، كما وثق أحداثها في مؤلفاته، لتصبح شهاداته من أهم المصادر التاريخية التي أرخت لتلك المرحلة.
وفي نهاية القرن الثامن عشر، شرع الباي محمد بن عثمان الكبير في تنفيذ مشروع شامل لاسترجاع وهران، معتمدًا على دعم العلماء والأعيان وشيوخ القبائل، ومستفيدًا من الظروف الصعبة التي كانت تمر بها إسبانيا، إلى جانب الزلزال العنيف الذي ضرب المدينة سنة 1790 وألحق أضرارًا كبيرة بتحصيناتها العسكرية.
وبعد سنوات من الإعداد والحصار، تحقق الحلم المنتظر سنة 1792 عندما دخلت القوات الجزائرية القادمة من معسكر مدينة وهران، معلنة نهاية الوجود الإسباني الذي استمر قرابة ثلاثة قرون، وعودة المدينة إلى السيادة الجزائرية.
وقد مثّل هذا الحدث أحد أبرز الانتصارات في تاريخ الجزائر الحديث، لأنه لم يكن نتاج قوة السلاح وحدها، بل جاء نتيجة تلاحم القيادة السياسية والعسكرية مع العلماء والقبائل وسكان المنطقة.
إن ملحمة تحرير وهران تؤكد أن الانتصارات الكبرى تصنعها وحدة الشعوب، وأن العلماء يمكن أن يكونوا شركاء في صناعة التاريخ مثلهم مثل القادة والجنود. ولذلك بقي اسم الباي محمد بن عثمان الكبير مقترنًا بفتح وهران، كما ظل اسم أبي راس الناصري شاهدًا على مرحلة جمعت بين العلم والجهاد والتوثيق.
وإلى اليوم، يظل تحرير وهران سنة 1792 محطة مضيئة في الذاكرة الوطنية، وصفحة مشرقة من صفحات الكفاح الجزائري، تؤكد أن رجال معسكر من قادة وعلماء ومجاهدين أسهموا في صناعة واحد من أهم الانتصارات التي عرفها تاريخ الجزائر.