في غمرة الغطرسة الاستعمارية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر، وبينما كانت الآلة العسكرية تحاول طمس الهوية العربية والإسلامية في الجزائر، تجلت قدرة الله وحكمته البالغة بأن يخرج من أصلاب هؤلاء المستعمرين رجل يحمل في قلبه موازين العدل والإنصاف. إنه الطبيب والسياسي الفرنسي فيليب غرنييه، الذي عُرف لاحقاً باسم “علي”، الرجل الذي لم يكتفِ باعتناق الإسلام فحسب، بل صدح بكلمة الحق في عقر دار البرلمان الفرنسي، و قام بتجريم الاستعمار، واعتبر نفسه جزائرياً في الدين والوطن، ليبقى خالداً في التاريخ كأول نائب مسلم في تاريخ فرنسا.
ولد فيليب غرنييه في 14 أوت عام 1865 بمدينة بونتارلييه الفرنسية، وكان والده هيبوليت غرنييه ضابطاً في سلاح الفرسان الفرنسي الذي خدم في الجزائر. نشأ فيليب في بيئة فرنسية خالصة، وتابع دراسته الثانوية ثم التحق بكلية الطب في باريس سنة 1883 ليتخرج منها طبيباً سنة 1890. عند عودته إلى مسقط رأسه، لم يكن فيليب مجرد طبيب يبحث عن الثراء، بل عُرف بلقب “طبيب الفقراء”، حيث كان يسّخر علمه لعلاج المحتاجين والمرضى مجاناً في أغلب الأحيان، مما أكسبه شعبية جارفة واحتراماً كبيراً بين الناس.
لكن نقطة التحول الكبرى في حياته كانت سنة 1890 عندما زار شقيقه في الجزائر؛ هناك، صُدم الطبيب الشاب بحجم الفقر والمظالم والاضطهاد الذي كان يتعرض له السكان المحليون على يد الإدارة الاستعمارية الفرنسية. تملكته هزة وجدانية وفكرية عميقة، قادته في رحلة بحث عن الحقيقة، حتى أعلن اعتناقه الإسلام عن قناعة تامة سنة 1894 خلال زيارة أخرى للجزائر، وتوجه في العام نفسه لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة. ومنذ ذلك الحين، اعتمد “علي غرنييه” نمط حياة جديداً، فصار يرتدي الجلابة والعمامة بانتظام، معلناً تمسكه بهويته الإسلامية الجديدة.
فتحت له شعبيته الكبيرة في مدينته بونتارلييه أبواب السياسة، فانتخب مستشاراً بلدياً، ثم ترشح للانتخابات التشريعية الجزئية في ديسمبر 1896 لملء مقعد شاغر. وبفضل حب الناس له، نجح وهو في الحادية والثلاثين من عمره ليصبح أصغر نائب في البرلمان الفرنسي، وأول نائب مسلم يدخل الجمعية الوطنية الفرنسية بجلبابه وعمامته، مما أثار دهشة واسعة في الأوساط السياسية آنذاك.
لم يكن علي غرنييه نائباً عادياً، بل استغل منصبه بصفته عضواً في مجموعة اليسار الراديكالي ليكون صوتاً للمظلومين. وفي وقت كانت فيه فرنسا تتباهى بـ”أمجادها” الاستعمارية، وقف هذا النائب الفرنسي ليصدح بالحق ويهاجم السياسات الاستعمارية لبلاده في شمال إفريقيا. لقد جّرم الاستعمار علانية، واعتبر الدفاع عن الجزائريين واجباً شرعياً وإنسانياً، واصفاً نفسه بأنه أخ لهم في الدين والوطن، منافحاً عن حقوقهم الأساسية وضد الميزانيات القمعية الموجهة لإخضاعهم.
ورغم أن مساره السياسي في البرلمان انتهى بعد خسارته في انتخابات عامي 1898 و1902 بسبب التكالب السياسي ضده ومواقفه الجريئة، إلا أنه عاد لمهنته الإنسانية كطبيب للفقراء حتى وافته المنية في 25 مارس 1944 عن عمر يناهز 78 سنة، حيث شيعته جموع غفيرة في جنازة مهيبة. واليوم، وتكريماً لذكراه وإرثه الإنساني الفريد، تحمل ثانوية وشارع في مسقط رأسه اسمه، بالإضافة إلى مسجد المدينة الذي سُمي “مسجد فيليب علي غرنييه”، ليشهد التاريخ أن الله قاد هذا الرجل من قلب فرنسا ليقول كلمة حق في وجه الاستعمار الجائر.