في الرياضة كما في غيرها، لا تُقاس قوة الاتحادات بعدد الاجتماعات ولا بكثرة الشعارات، وإنما بقدرتها على صناعة الأبطال، وحماية الكفاءات، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص. غير أن ما تعيشه الملاكمة الجزائرية في السنوات الأخيرة يثير الكثير من علامات الاستفهام، بعدما أصبحت الانتقادات تتصاعد من داخل الأسرة الرياضية نفسها و خاصة من قبل ملاكمين دوليين سابقين، وسط حديث متزايد عن تهميش الكفاءات، وإقصاء أصحاب الخبرة، وتغليب الولاءات الشخصية على معايير الاستحقاق.
وتطرح الأوساط المهتمة بالملاكمة تساؤلات مشروعة حول أسباب إبعاد أسماء صنعت مجد هذه الرياضة على الصعيد القاري و العربي و الدولي، وراكمت تجربة ميدانية كبيرة، مقابل منح المسؤوليات لأشخاص لا يملكون – بحسب منتقديهم – سجلاً رياضياً أو فنياً يؤهلهم لتسيير واحدة من أعرق الرياضات الجزائرية. ويرى متابعون أن الخبرة الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في المناصب، وإنما بحجم الإنجازات والقدرة على تطوير المستوى الفني والإداري.
وتزداد المخاوف عندما تتحول الخلافات الشخصية إلى أسلوب في التسيير، فتُزرع الانقسامات داخل أسرة الفن النبيل، ويصبح الإقصاء أداة لإبعاد كل صوت مخالف، بدل توحيد الجهود لخدمة الملاكمة الوطنية. وفي هذا السياق، يستحضر كثيرون قضايا أثارت جدلاً واسعاً داخل الوسط الرياضي، معتبرين أنها ساهمت في تعميق أزمة الثقة بين الفاعلين في هذا الاختصاص.
كما تتعالى الأصوات المطالبة بإرساء معايير شفافة في اختيار الإطارات الفنية والمنتخبات الوطنية، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية أو علاقات قرابة أو ولاءات، لأن الرياضة التي تُدار بمنطق المحاباة لا يمكنها أن تنتج أبطالاً قادرين على تشريف الراية الوطنية في المحافل الدولية.
ويؤكد مختصون أن منح المسؤوليات لأشخاص غير مؤهلين، أو تركيز عدة مهام في يد شخص واحد، من شأنه أن ينعكس سلباً على الأداء الإداري والفني، ويحد من فرص التطوير، خاصة إذا اقترن ذلك ببرامج إعداد لا ترتقي إلى مستوى المنافسة الدولية، أو باختيار مشاركات لا تخدم طموحات الملاكمين ولا تساهم في رفع مستواهم.
للتذكير فإن الملاكمة الجزائرية تُعد واحدة من أكثر الرياضات إشراقًا في تاريخ الرياضة الوطنية، فهي أول اختصاص منح الجزائر مجدًا أولمبيًا بفضل الراحل مصطفى موسى، صاحب أول ميدالية أولمبية في تاريخ البلاد، قبل أن يواصل الأبطال كتابة صفحات التألق بفضل محمد زاوي ثم حسين سلطاني الذي نال ذهبية في أولمبياد، وصولًا إلى البطلة إيمان خليف التي أعادت الملاكمة الجزائرية إلى واجهة التتويجات العالمية والأولمبية. هذا الرصيد التاريخي الكبير يجعل من الملاكمة مدرسةً لصناعة الأبطال ورمزًا للفخر الوطني، وهو ما يفرض اليوم الحفاظ على هذا الإرث الثمين من خلال تسيير يقوم على الكفاءة والاستحقاق، حتى تبقى الجزائر حاضرة بقوة فوق منصات التتويج الدولية، لا أن تتحول هذه الرياضة العريقة إلى ضحية للصراعات والإقصاء وسوء التسيير.
لذا فإن مستقبل الملاكمة الجزائرية لا يصنعه الإقصاء ولا تصفية الحسابات، وإنما يصنعه الاحتكام إلى الكفاءة والخبرة والنزاهة. فالرياضة الوطنية تحتاج اليوم إلى مصالحة حقيقية مع أبنائها، وإلى فتح الأبواب أمام جميع الطاقات القادرة على تقديم الإضافة، بعيداً عن منطق الولاءات الضيقة.