تتميز كرة القدم الإفريقية بالإثارة، المتعة، والمواهب الفطرية التي تجعل مبارياتها لوحات كروية ممتعة. لكن خلف هذا البريق، تختبئ متلازمة العقدة الغريبة تكررت كثيراً في السنوات الأخيرة مع منتخبات عريقة مثل السنغال، كوت ديفوار، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
السيناريو أصبح مألوفاً ومؤلماً للجماهير، منتخب يسيطر بالطول والعرض، يقدم كرة قدم ممتعة، يتقدم في النتيجة ويتحكم في أطوار اللقاء، وفجأة يتلاشى كل شيء في الأنفاس الأخيرة وتتحول الأفراح إلى انكسار. فما الذي يحدث لعمالقة القارة السمراء في لحظات الحسم؟
لو عدنا بالذاكرة إلى مواجهات قريبة لمنتخبات مثل كوت ديفوار أو السنغال سنجد قاسمًا مشتركًا في بعض سقطاتهم الكبرى، فالفيلة، رغم امتلاكها دائماً لترسانة من النجوم المحترفين في أوروبا، إلا أن “الأفيال” عانوا في فترات كثيرة من غياب القائد الذي يهدئ اللعب عندما تكون النتيجة لصالحهم، مما جعلهم يستقبلون أهدافاً قاتلة في مباريات كانوا يمسكون بزمامها تماماً.
أما السنغال حتى وهي في أوج قوتها وتتويجها القاري، عانت في بعض اللقاءات المفصلية من “تراجع غير مبرر” بعد التقدم، حيث يكتفي الفريق بالدفاع ظانا أنه قتل المباراة مثلما حدث مع بلجيكا وهو ما كلفهم غالياً في محطة مونديالية.
أما الكونغو الديمقراطية فيمثل “الفهود” النموذج الأبرز للمنتخب الذي يقدم 70 دقيقة خيالية من القوة البدنية والسرعة، لينهار فجأة في الـ 20 دقيقة الأخيرة بسبب شرود ذهني جماعي أو تراجع منسوب اللياقة البدنية، بعد انهزامه بنفس السيناريو مع إنجلترا.
تحليل هذه الظاهرة يضعنا أمام ثلاثة عوامل رئيسية تتداخل لتصنع هذا السيناريو الدرامي منها:
العامل النفسي و”ثقافة قتل المباراة”،ففي أوروبا، تُعلم الأكاديميات اللاعبين ما يسمى بـ Cynicism أو “الواقعية الصارمة”؛ عندما تكون متقدماً بهدف، يجب أن تعرف كيف “تقتل” ريتم المباراة بالاحتفاظ بالكرة، كسب الأخطاء الذكية، وإحباط الخصم، في المقابل، يندفع اللاعب الإفريقي أحياناً وراء الحماس والرغبة في تقديم المتعة حتى وهو متقدم، مما يترك مساحات قاتلة يستغلها الخصم المنافس.
ثم التراجع التكتيكي المبكر ،حيث غالباً ما يرتكب المدربون خطأً فادحاً بالدفاع المتأخر (Low Block) بمجرد التقدم هذا التراجع يمنح الخصم الجرأة ويضعه في مناطق جزاء الفريق المتقدم. ومع الضغط المتواصل، يصبح الخطأ البشري مسألة وقت لا غير.
الأسلوب الإفريقي يعتمد كثيراً على القوة البدنية، الاندفاع، والسرعة. عندما يبذل المنتخب 100% من طاقته في أول 60 دقيقة للتقدم في النتيجة، يحدث هبوط مفاجئ في اللياقة (Burnout) في ربع الساعة الأخير، وهو الوقت الذي ينشط فيه الخصم بدخول البدلاء.
”المشكلة ليست في جودة اللاعبين، بل في كيفية إدارة الدقائق الحرجة. المنتخبات الكبرى لا تفوز لأنها الأفضل طوال 90 دقيقة، بل لأنهم الأذكياء في آخر 10 دقائق”.
لكي تتخلص هذه المنتخبات من هذه المتلازمة، تحتاج إلى تغيير شامل في العقلية والتكتيك من خلال تدريب اللاعبين على سيناريوهات “تسيير اللقاء” عند التقدم، وليس فقط سيناريوهات الهجوم والبحث عن التسجيل.
فهذه المنتخبات بحاجة للشخصية القيادية داخل الملعب بوجود لاعبين ذوي خبرة عالية قادرين على توجيه زملائهم وإعادة تنظيم الخطوط عند شعورهم بالخطر.
كما يجب على المدربين التدخل بالبدلاء في الوقت المناسب لضخ دماء جديدة في خط الوسط لحرمان المنافس من الكرة، بدلاً من الانتظار حتى استقبال الهدف لتبدأ التحركات.
الكرة الإفريقية تمتلك كل المقّومات للسيطرة العالمية، لكن تظل “تفاصيل الدقائق الأخيرة” هي الشعرة الفاصلة بين المنتخبات الكبيرة والمنتخبات البطلة.
فهل تستوعب كوت ديفوار والسنغال والكونغو وباقي الفرق هذه الدروس القاسية مستقبلاً؟.