ما قل ودل

بين الاحتلال الفرنسي وخيانة المخزن المغربي…الليلة الأخيرة في مقاومة الأمير عبد القادر

شارك المقال

ليلة 21 ديسمبر 1847 ليست مجرد تاريخ في سجل الاحتلال الفرنسي للجزائر، بل هي واحدة من أكثر الليالي مأساوية وتعقيدًا في تاريخ المقاومة الوطنية. ففي تلك الليلة، وجد الأمير عبد القادر نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ فإما مواصلة القتال بما يعنيه ذلك من إبادة من بقي معه من النساء والأطفال والشيوخ والمجاهدين، أو الاستسلام وفق شروط تحفظ ما تبقى من الأرواح.

ولم يكن قرار الأمير استسلامًا بالمعنى العسكري أو السياسي، كما حاولت بعض الكتابات الاستعمارية تصويره، بل كان قرار قائد دولة أدرك أن مسؤوليته لا تقتصر على حمل السيف، وإنما تشمل أيضًا حماية المدنيين عندما تصبح موازين القوى مختلة بصورة يستحيل معها تحقيق نصر عسكري.

خمسة عشر عامًا من المقاومة

منذ مبايعته أميرًا سنة 1832، نجح الأمير عبد القادر في بناء أول نواة لدولة جزائرية حديثة خلال فترة الاحتلال، فأنشأ جيشًا منظمًا، وقسم البلاد إلى مقاطعات، وأقام نظامًا إداريًا وقضائيًا، وأنشأ مصانع للأسلحة والذخيرة، وأسس عاصمة متنقلة عُرفت بـ”الزمالة”، في تجربة سياسية وعسكرية سبقت عصرها في شمال إفريقيا.

وخلال سنوات المقاومة، ألحق الأمير بالقوات الفرنسية هزائم عديدة، ما اضطرها إلى توقيع معاهدة ديميشال (1834) ثم معاهدة التافنة (1837)، التي اعترفت عمليًا بنفوذه على جزء كبير من التراب الجزائري.

لكن فرنسا لم تلتزم بتعهداتها طويلًا، فسرعان ما خرقت معاهدة التافنة, لتندلع مرحلة جديدة من الحرب اتسمت بسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها الماريشال بيجو، معتمدة على حرق القرى، وتدمير المحاصيل، وتهجير السكان، في محاولة لعزل الأمير عن حاضنته الشعبية.

بين مطرقة الفرنسيين وسندان الخيانة المغربية

بعد اشتداد الضغط العسكري الفرنسي، اتجه الأمير نحو الأراضي المغربية، حيث كان يأمل في مواصلة المقاومة انطلاقًا من هناك.

في البداية،حيث دعمًا من عدد من القبائل المغربية وسكان المناطق الحدودية الذين اعتبروا مقاومته دفاعًا عن الأمة الإسلامية كلها، غير أن خوف السلطان المغربي عبد الرحمن بن هشام على عرشه عن طريق تهديدات فرنسا جعلت دحر مقاومة الأمير عبد القادر قربانا يتقرب من خلاله للفرنسيين.

وهكذا وجد الأمير نفسه مطاردًا من جهتين: القوات الفرنسية من الشرق، وقوات السلطان المغربي من الغرب، بينما أخذت الموارد البشرية والعسكرية تتآكل تدريجيًا.

معركة وادي ملوية… بداية النهاية العسكرية

كانت معارك وادي ملوية من آخر المواجهات الكبرى التي خاضها الأمير, وتشير المصادر التاريخية إلى أن قواته تكبدت خسائر كبيرة، ولم يبق معه سوى بضع مئات من المقاتلين المخلصين، في حين كانت القوات الفرنسية مدعومة بجيش السلطان المغربي، وهو اختلال هائل في ميزان القوى جعل استمرار القتال يعني تعريض المدنيين لمجازر وسبي وتشريد.

و هنا تكمن عبقرية الأمير السياسية والإنسانية, فهو لم يسلم نفسه لأنه هُزم نفسيًا أو فقد إيمانه بعدالة قضيته، وإنما لأنه أدرك أن المقاومة ليست مجرد معركة، بل مشروع أمة على المدى الطويل.

وكان يرى أن حماية الأبرياء واجب شرعي وأخلاقي يسبق المكابرة العسكرية عندما تصبح المعركة بلا أفق واقعي.

لذلك اشترط على الفرنسيين أن يُسمح له بالتوجه إلى الإسكندرية أو عكا مع من بقي معه، وعدم اعتباره أسير حرب.

وافق الجنرال لويس جوشوا لاموريسيير على هذه الشروط، كما أكدها لاحقًا الجنرال لاموريسيير والجنرال كافينياك، غير أن الحكومة الفرنسية تراجعت عن التزاماتها بعد وصول الأمير، لتحتجزه في فرنسا قرابة خمس سنوات، متنقلًا بين تولون وبو ثم قلعة أمبواز.

ولم يُفرج عنه إلا سنة 1852 بقرار من الإمبراطور نابليون الثالث، لينتقل بعدها إلى الدولة العثمانية ثم يستقر في دمشق.

مسيرة الأمير عبد القادر مصدر إلهام  لثورة أول نوفمبر

قد يكون الأمير عبد القادر قد توقف عن القتال سنة 1847، لكن مشروعه لم يمت, فقد أصبح رمزًا عالميًا للفروسية والوفاء والالتزام بالقيم الإنسانية، وهو ما تجلى لاحقًا عندما أنقذ آلاف المسيحيين في أحداث دمشق سنة 1860، فنال أوسمة التكريم من دول عديدة.

كما بقيت تجربته السياسية والعسكرية مصدر إلهام للحركة الوطنية الجزائرية، ولثورة أول نوفمبر 1954، التي استلهمت كثيرًا من مبادئ التنظيم والوحدة والصمود التي أرساها الأمير.

لقد كانت ليلة 21 ديسمبر 1847 نهاية مرحلة من المقاومة المسلحة، لكنها لم تكن نهاية قضية الجزائر. فقد خسر الأمير معركة السلاح، لكنه انتصر في معركة التاريخ، وظل اسمه، بعدما يقارب قرنين، رمزًا للقائد الذي فضّل إنقاذ شعبه على البحث عن بطولة شخصية، فخلّدته الذاكرة الوطنية كأحد أعظم رجالات الجزائر.

المصدر: أبو القاسم سعد الله – تاريخ الجزائر الثقافي , Charles-Henri Churchill – The Life of Abdel Kader

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram