في إطار جهودها الرامية إلى ترسيخ البحث العلمي وتعزيز الحوار الثقافي بين الباحثين والأكاديميين، افتتحت أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي برنامج ندواتها الشهرية بتنظيم ندوة علمية متميزة حملت عنوان “الفن عبر الحضارات”، وذلك يوم 2 جويلية 2026، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من داخل الجزائر وخارجها.
وجاءت هذه الندوة العلمية تحت إشراف البروفيسور سعاد بسناسي، أستاذة بجامعة وهران 1، وعضو المجلس الأعلى للغة العربية، ومديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام، ورئيسة الأكاديمية، في خطوة تعكس حرص المؤسسة على فتح فضاءات علمية جادة لمناقشة القضايا الحضارية والفكرية المرتبطة بالفنون والثقافة.
وقد بادرت إلى تنظيم وتنسيق هذا اللقاء العلمي الدكتورة إيمان مقداد، أستاذة بجامعة تيسمسيلت ورئيسة وحدة الفنون والحضارة بالأكاديمية، فيما تولت الدكتورة آمال ماي، أستاذة بجامعة سعيدة، إدارة أشغال الندوة التي نُظمت عبر البث الإلكتروني، بما أتاح مشاركة واسعة للباحثين والمهتمين.
الفن الإسلامي…لغة حضارية تتجاوز الجمال
واستضافت الأكاديمية في أولى ندواتها الشهرية الدكتور مصطفى عطية جمعة، أستاذ الجامعة الأمريكية المفتوحة بدولة الكويت وعضو الهيئة العلمية والاستشارية بالأكاديمية، الذي قدم محاضرة علمية موسعة بعنوان “الفنون في الحضارة الإسلامية: الهوية، السمات والجماليات”.
وخلال مداخلته، أكد المحاضر أن الفن في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد تعبير جمالي أو نشاط إبداعي معزول، بل شكل جزءًا أصيلًا من الرؤية الحضارية الإسلامية التي جمعت بين الروح والقيم والجمال. وأوضح أن الفنون الإسلامية استطاعت أن تعكس خصوصية الهوية الثقافية للأمة الإسلامية من خلال أنماط إبداعية متفردة حافظت على أصالتها عبر القرون.
وأشار إلى أن من أبرز الخصائص التي ميزت الفن الإسلامي ميله إلى التجريد والرمزية، واهتمامه بالزخارف الهندسية والنباتية، فضلاً عن المكانة الرفيعة التي احتلها الخط العربي بوصفه أحد أرقى أشكال التعبير الفني في الحضارة الإسلامية. كما توقف عند العمارة الإسلامية التي جسدت انسجامًا فريدًا بين الوظيفة والجمال، فكانت المساجد والقصور والمدارس شاهدة على ازدهار حضاري امتد تأثيره إلى مختلف أنحاء العالم.
هوية منفتحة على الحضارات
وأكد الدكتور مصطفى عطية جمعة أن الفن الإسلامي لم ينشأ في عزلة عن بقية الحضارات، بل استفاد من منجزات الشعوب السابقة وتفاعل معها بصورة خلاقة، غير أنه استطاع في الوقت ذاته الحفاظ على خصوصيته الفكرية والروحية، ليقدم نموذجًا حضاريًا يجمع بين الأصالة والانفتاح.
وأضاف أن الجمال في التصور الإسلامي لا يقتصر على البعد الشكلي، بل يرتبط بمنظومة فكرية وأخلاقية تجعل من الفن وسيلة للتعبير عن الانسجام بين الإنسان والكون والخالق، وهو ما منح الفنون الإسلامية عمقًا فلسفيًا وروحيًا جعلها تتجاوز حدود الزمان والمكان.
قراءة جديدة للتراث الفني الإسلامي
كما تطرق المحاضر إلى جملة من السمات الجمالية التي طبعت الفنون الإسلامية، وفي مقدمتها الوحدة في التنوع، والتوازن البصري، والإيقاع الفني، والقدرة على تحويل العناصر البسيطة إلى أعمال تحمل دلالات فكرية وروحية عميقة.
ودعا في هذا السياق إلى إعادة قراءة التراث الفني الإسلامي بمنهج علمي معاصر، باعتباره رصيدًا حضاريًا غنيًا يمكن أن يسهم في بناء الوعي الجمالي والثقافي للأجيال الجديدة، وفي تعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات.
نقاش علمي ثري وآفاق واعدة
وشهدت الندوة تفاعلًا لافتًا من المشاركين الذين أثروا النقاش بمداخلاتهم وتساؤلاتهم، مؤكدين أهمية مواصلة البحث العلمي في مجالات الفنون والحضارة، واستثمار الإرث الثقافي الإسلامي في إبراز قيم الإبداع والجمال التي أسهمت في إثراء الحضارة الإنسانية.
وتندرج هذه المبادرة ضمن سلسلة من الندوات العلمية الشهرية التي تعتزم وحدة الفنون والحضارة بالأكاديمية تنظيمها، بهدف تعزيز التواصل بين الباحثين، وتوفير فضاءات للحوار الأكاديمي الجاد، وتشجيع الدراسات المتخصصة في مجالات الفنون والتراث والحضارة.
وبهذه الندوة، تؤكد أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي مكانتها كمنصة علمية تسعى إلى ربط المعرفة الأكاديمية بقضايا الثقافة والهوية، وإلى إعادة الاعتبار للفنون بوصفها أحد أهم روافد بناء الوعي الحضاري وترسيخ قيم الجمال والإبداع في المجتمع.