في عالم كرة القدم الحديثة، لم تعد الموهبة وحدها كافية لتحقيق الإنجازات، كما أن التاريخ والأسماء الرنانة لم تعد تضمن الانتصارات. فالمنتخبات التي تعانق الألقاب هي تلك التي تؤسس مشروعها على الكفاءة والاستحقاق والانضباط، بعيدًا عن المجاملات والحسابات الضيقة التي كثيرًا ما كانت سببًا في ضياع مواهب وإهدار فرص النجاح.
فأي منتخب وطني ليس ملكًا لمدرب أو مسؤول أو لاعب، وإنما هو ملك لملايين الجماهير التي تنتظر رؤية أفضل العناصر وهي تدافع عن ألوان الوطن. ومن هذا المنطلق، فإن كل قرار فني يجب أن يكون مبنيًا على معايير واضحة، قوامها الجاهزية، والمردود، والالتزام، لا على العلاقات الشخصية أو الضغوط أو الاعتبارات غير الرياضية.
لقد أثبت تاريخ كرة القدم أن المجاملات لا تصنع بطولات، بل تؤدي في الغالب إلى إضعاف روح المنافسة داخل المجموعة. فعندما يشعر اللاعب بأن مكانه مضمون مهما كان مستواه، يفقد الدافع للتطور، بينما يصاب اللاعب المجتهد بالإحباط عندما يرى أن الأداء لا يكفي للحصول على فرصة مستحقة. وهنا تبدأ العدالة الرياضية في التآكل، ويبدأ معها تراجع مستوى المنتخب.
وفي المقابل، فإن المنتخبات الكبرى التي سيطرت على الساحة العالمية اعتمدت دائمًا على مبدأ المنافسة المفتوحة. فلا أحد يحتفظ بمكانه لمجرد اسمه أو تاريخه، بل يبقى القميص الوطني من نصيب الأكثر جاهزية وقدرة على تقديم الإضافة. وهذا ما جعل تلك المنتخبات قادرة على تجديد دمائها باستمرار، دون أن تتأثر برحيل النجوم.
ولا تقتصر آثار المجاملات على الجانب الفني فقط، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والتنظيمية. فهي تخلق انقسامًا داخل غرف الملابس، وتزرع الشك في نفوس اللاعبين، وتضعف ثقة الجماهير في خيارات الطاقم الفني، لتتحول الهزائم عندها إلى نتيجة طبيعية لمنظومة فقدت أحد أهم أسس النجاح، وهو مبدأ تكافؤ الفرص.
ومن جهة أخرى، فإن العدالة في الاختيارات ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل هي ضرورة رياضية. فاللاعب الذي يدرك أن مكانه مرتبط بأدائه سيضاعف جهده في التدريبات والمباريات، وسترتفع حدة المنافسة داخل المجموعة، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى المنتخب ونتائجه.
ولا يعني ذلك أن المدرب مطالب بإرضاء الجميع، فلكل مدرب فلسفته وقناعاته الفنية، لكن هذه القناعات ينبغي أن تكون قابلة للتفسير من خلال الأداء والاحتياجات التكتيكية، لا أن تبدو وكأنها قائمة على اعتبارات شخصية أو مجاملات، لأن المنتخب الوطني يمثل الوطن بأكمله، وليس دائرة مغلقة لأسماء بعينها.
إن بناء منتخب قوي يبدأ من ترسيخ ثقافة الاستحقاق، حيث يكون القميص الوطني جائزة للأكثر اجتهادًا، لا امتيازًا دائمًا لأحد. وعندما يدرك كل لاعب أن مكانه يُنتزع بالعمل والالتزام، لا بالعلاقات أو السمعة، يصبح المنتخب أكثر قوة وتماسكًا وقدرة على المنافسة.
فالإنجازات لا تُصنع بالمجاملات، وإنما بالقرارات الشجاعة، والاختيارات العادلة، والإيمان بأن مصلحة المنتخب تعلو على كل اعتبار. وعندها فقط، يمكن لأي منتخب أن يخطو بثبات نحو منصات التتويج، لأن كرة القدم، في نهاية المطاف، لا تعترف إلا بمن يستحق.