شكلت تصريحات المعلقة والإعلامية الأمريكية المحافظة كانديس أوينز، التي قدمت اعتذاراً صريحاً للمسلمين الذين عاشوا في الولايات المتحدة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، حدثاً لافتاً يتجاوز حدود الرأي الشخصي إلى كونه مؤشراً على تحول عميق داخل المجتمع الأمريكي. فعندما تقول شخصية كانت في وقت سابق جزءاً من التيار المحافظ الذي ساهم في الترويج لخطاب الشك والريبة تجاه المسلمين: “أعتذر نيابة عن أمريكا عن الطريقة التي عوملتم بها”، فإن الأمر يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الولايات المتحدة بدأت فعلاً في مراجعة واحدة من أكثر صفحاتها إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين.
لقد مثلت هجمات 11 سبتمبر نقطة تحول تاريخية في السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية. فبعد ساعات فقط من انهيار برجي مركز التجارة العالمي، انطلقت موجة غير مسبوقة من الخوف والشك والعداء تجاه كل ما هو إسلامي. وتحول ملايين المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا إلى موضع ريبة دائمة، وأصبح الانتماء الديني وحده سبباً كافياً للتعرض للتمييز والرقابة وحتى الملاحقة الأمنية.
وفي ظل أجواء الصدمة الوطنية، تم تمرير قوانين استثنائية، أبرزها “قانون باتريوت”، الذي منح السلطات الأمنية صلاحيات واسعة في المراقبة والاعتقال والتحقيق. كما شهدت الولايات المتحدة ارتفاعاً حاداً في جرائم الكراهية ضد المسلمين والعرب والسيخ، الذين تعرضوا جميعاً لصور مختلفة من التنميط والتمييز.
لكن آثار الإسلاموفوبيا لم تتوقف عند الداخل الأمريكي، بل تحولت إلى أداة سياسية واستراتيجية لتبرير سلسلة من التدخلات العسكرية في العالم الإسلامي. فالحرب على أفغانستان ثم غزو العراق، وما تلاهما من عمليات عسكرية وأمنية في عدة دول، قُدمت للرأي العام الغربي تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”، في حين يرى كثير من الباحثين والمفكرين أن هذه الحروب ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة وأدت إلى كوارث إنسانية وسياسية لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.
ومن هنا تكتسب تصريحات كانديس أوينز أهمية خاصة، لأنها لا تقتصر على الاعتراف بوجود تمييز ضد المسلمين، بل تذهب أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن حالة الخوف من الإسلام لم تكن مجرد رد فعل عفوي على الهجمات الإرهابية، وإنما كانت نتاجاً لعملية سياسية وإعلامية ممنهجة ساهمت في تشكيل صورة سلبية عن الإسلام والمسلمين في الوعي الغربي.
إن اعتذاراً من هذا النوع يعكس، في جانب منه، تغيراً تدريجياً في المزاج الأمريكي. فبعد مرور خمسة وعشرين عاماً تقريباً على أحداث سبتمبر، بدأت قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي تعيد تقييم تلك المرحلة وتسائل السرديات التي تم تسويقها آنذاك. كما أن أجيالاً جديدة من الأمريكيين باتت أكثر استعداداً للتمييز بين الإرهاب كظاهرة إجرامية وبين الإسلام كدين يعتنقه أكثر من ملياري إنسان حول العالم.
ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في كسر الاحتكار الإعلامي التقليدي للرواية الرسمية. فقد أصبح بإمكان الضحايا أنفسهم، من المسلمين والعرب، نقل تجاربهم الشخصية وكشف ما تعرضوا له من تمييز وإقصاء، وهو ما ساهم تدريجياً في إعادة تشكيل الوعي العام تجاه هذه القضية.
ومع ذلك، فإن الاعتذارات الرمزية، مهما كانت أهميتها، لا تمحو تلقائياً آثار عقود من الإسلاموفوبيا. فالكثير من المسلمين في الغرب ما زالوا يواجهون أشكالاً مختلفة من التمييز في العمل والتعليم والحياة العامة، وما زالت بعض التيارات السياسية والإعلامية تستثمر في خطاب التخويف من الإسلام لتحقيق مكاسب انتخابية أو أيديولوجية.
إن تصريحات كانديس أوينز قد تكون بداية لمراجعة فكرية وسياسية أوسع داخل الولايات المتحدة، وربما تمثل اعترافاً متأخراً بأن “الحرب على الإرهاب” لم تكن مجرد مواجهة أمنية، بل أيضاً حقبة شهدت انتهاكات واسعة للحقوق والحريات، ودفعت ملايين الأبرياء ثمن الخوف وسوء الفهم والتوظيف السياسي للأحداث.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل نحن أمام بداية انهيار حقيقي للإسلاموفوبيا الأمريكية، أم أن الأمر لا يعدو كونه مراجعات فردية متفرقة؟ الإجابة ستتوقف على قدرة المجتمع الأمريكي ومؤسساته على الانتقال من مرحلة الاعتراف بالأخطاء إلى مرحلة تصحيحها، وإعادة الاعتبار لمبادئ العدالة والمساواة التي قامت عليها الولايات المتحدة نفسها.