ليست الجزائر مجرد دولة في شمال إفريقيا، وليست مجرد مساحة جغرافية تمتد من شواطئ المتوسط إلى أعماق الصحراء الكبرى، بل هي فكرة وقيمة وموقف. إنها وطن ارتبط اسمه بالحرية حتى سماها الأحرار في مختلف بقاع العالم بـ”مكة الأحرار”، لأنها كانت وما تزال قبلة لكل الشعوب التواقة إلى التحرر، وملاذاً لكل الحركات المناهضة للاستعمار، وصوتاً مدوياً في الدفاع عن القضايا العادلة.
فعلى أرض الجزائر وجدت حركات التحرر الإفريقية والآسيوية واللاتينية سنداً سياسياً ودبلوماسياً ومادياً، ومنها انطلقت رسائل الحرية إلى العالم. ولم يكن وصف الرئيس الجنوب إفريقي الراحل نيلسون مانديلا للجزائر بأنها “البلد الذي صنع الرجال الأحرار” مجرد عبارة بروتوكولية، بل شهادة تاريخية في حق دولة جعلت من دعم المظلومين عقيدة سياسية ومبدأ ثابتاً لا تحكمه الحسابات الضيقة.
واليوم، وبعد عقود من الاستقلال، لا تزال الجزائر وفية لرسالتها التاريخية، تعمل على مرافقة الشعوب الإفريقية في استكمال مسار التحرر من آخر بقايا الاستعمار الجديد، وتدافع عن حق الدول في سيادتها وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتؤمن بأن إفريقيا القوية والمستقرة هي الضامن الحقيقي لمستقبل القارة السمراء.
لكن عظمة الجزائر لا تختزل فقط في مواقفها السياسية والدبلوماسية، بل تمتد إلى بعدها الحضاري والثقافي والديني. فالجزائر كانت، ولا تزال، حاضنة للعلم والعلماء، وأرضاً خصبة للفكر الوسطي المستنير، ومنارةً للإشعاع الديني والثقافي.
لقد احتضنت الجزائر كبار العلماء والدعاة والمفكرين الذين وجدوا فيها بيئة علمية وروحية متميزة. ومن بين هؤلاء العلامة والداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، الذي ارتبط بالجزائر ارتباطاً وجدانياً عميقاً، حتى قال في كتابه الحق المر:
“قضيت في الجزائر قرابة خمس سنين، كادحًا إلى ربي، جاهدًا في سبيل دعوته، لقد كانت من أخصب أيام العمر خدمةً للإسلام ورسالته، إن الجزائر حكومةً وشعبًا أخجلتني من كثرة ما كرمتني وقدرتني.”
إنها شهادة عالم كبير عرف العالم الإسلامي من مشارقه إلى مغاربه، لكنه وجد في الجزائر وطناً ثانياً وبيئةً تحتفي بالعلم وتوقر العلماء.
كما ارتبط اسم الجزائر بالعالم الجليل الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي كانت تربطه بالشيخ العارف بالله سيدي محمد بلقايد علاقة روحية وعلمية مميزة. وتروي بعض الروايات أن الشيخ الشعراوي كان يرى الشيخ بلقايد في الرؤى والمنامات في فترات من حياته، إلى أن التقاه يقظة خلال زيارته إلى الجزائر، في قصة تعكس عمق المكانة الروحية التي احتلتها الجزائر في وجدان كبار علماء الأمة.
وليس من قبيل الصدفة أن يقول الإمام والعالم الجليل سيدي عبد الرحمن الثعالبي:
فهذين البيتين يختزلان تاريخ هذا البلد الذي طالما فاجأ العالم بقدرته على النهوض من الأزمات وتحويل المحن إلى فرص للبعث والتجدد. فالجزائر التي قاومت قرناً واثنين وثلاثين سنة من الاستعمار، وواجهت سنوات الإرهاب والاضطرابات، ووقفت شامخة أمام التحديات الإقليمية والدولية، أثبتت في كل مرة أنها بلد الاستثناء، وأن سر قوتها يكمن في تلاحم شعبها وتمسكه بهويته وقيمه. إنها الجزائر التي كلما اشتدت عليها الخطوب ازدادت قوةً وتماسكاً، وكلما ظن البعض أنها ستنكسر عادت أكثر إشراقاً، لتؤكد أن وصف الثعالبي لم يكن مجرد عبارة بل قراءة عميقة لروح هذا الوطن الذي يبقى بحق أرض العجائب وموطن الأحرار وحاضنة العلماء.
وليس غريباً أن تنجب الجزائر شخصيات علمية وروحية تركت بصمتها في العالم الإسلامي، فهي أرض الأمير عبد القادر، رجل الدولة والفكر والتصوف والتسامح، وأرض جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي حملت مشعل الإصلاح والتجديد، وأرض الزوايا والمدارس القرآنية التي حافظت على هوية الأمة في أحلك فترات الاستعمار.
إن الجزائر التي قدمت أكثر من مليون ونصف المليون شهيد في سبيل حريتها، لم تناضل من أجل استقلالها وحدها، بل من أجل أن تبقى فكرة الحرية حية في وجدان الإنسانية. ولذلك تحولت إلى رمز عالمي للمقاومة والكرامة والسيادة.
ولعل ما يميز الجزائر أيضاً أنها استطاعت، رغم المحن والتحديات والمؤامرات، أن تبقى وفية لثوابتها الوطنية، متمسكة بهويتها العربية والأمازيغية والإسلامية، ومنفتحة في الوقت ذاته على العالم بروح الحوار والتسامح والاعتدال.
إن الحديث عن الجزائر ليس حديثاً عن بلد عادي، بل عن وطن استثنائي جمع بين الثورة والدولة، وبين الجهاد والعلم، وبين الانتماء الوطني والرسالة الإنسانية. إنها دولة صنعت تاريخها بدماء أبنائها، وتواصل اليوم صناعة مستقبلها بعقول علمائها وشبابها.
ولهذا لم يكن غريباً أن تُلقب الجزائر بـ”مكة الأحرار”، لأنها لم تكن يوماً أرضاً للحرية فحسب، بل كانت أيضاً وطناً للكرامة، ومنارةً للعلم، وحاضنةً للعلماء، وملجأً لكل من آمن بأن الحق لا يموت، وأن الشعوب الحرة قادرة دائماً على صنع التاريخ.
فالجزائر، كما قال عنها الراحل محمد الغزالي، لم تكرم الأشخاص فقط، بل كرمت العلم والفكر والرسالة، وستظل، مهما تغيرت الأزمنة، أرضاً للوفاء والبطولة والعطاء، وقلعةً شامخةً تدافع عن الحق وتحتضن كل من يحمل رسالة الخير والحرية والإنسانية.