ليست كل نهائيات كأس العالم مجرد مباراة في كرة القدم، فبعضها يتحول إلى حدث تتقاطع فيه الرياضة مع السياسة والتاريخ والجغرافيا والمواقف الدولية. والنهائي المرتقب بين إسبانيا والأرجنتين يبدو، بالنسبة إلى كثير من المتابعين، أكثر من مجرد صراع على الكأس الذهبية، بل مواجهة تحمل في طياتها أبعاداً سياسية ورمزية تتجاوز التسعين دقيقة.
خلال السنوات الأخيرة، اتخذت إسبانيا مواقف سياسية ودبلوماسية جعلتها تحظى بتعاطف واسع داخل الشارع العربي والإسلامي، خاصة فيما يتعلق بمواقفها من القضية الفلسطينية ودعواتها المتكررة إلى احترام القانون الدولي ورفضها الانخراط في بعض السياسات التي اعتبرتها مدريد منافية لمصالحها أو لمبادئها الدبلوماسية.
في المقابل، تُصنف الأرجنتين ضمن الدول التي تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية، كما أن مواقف حكومتها الحالية تجاه عدد من القضايا الدولية، ومنها الملف الفلسطيني-الإسرائيلي، جعلتها تُوضع في خانة الحلفاء التقليديين للسياسات الغربية، وهو ما أضفى على المباراة بعداً سياسياً في نظر العديد من الجماهير والمتابعين.
هذا التباين في المواقف السياسية يجعل النهائي يخرج، ولو جزئياً، من إطاره الرياضي البحت. فوسائل التواصل الاجتماعي تعج منذ أيام بآلاف التعليقات التي تقدم المباراة وكأنها مواجهة بين رؤيتين سياسيتين مختلفتين للعالم.
ومن المنتظر أن تحظى إسبانيا بدعم جماهيري كبير في العديد من الدول العربية والإسلامية، ليس فقط بسبب مستواها الفني المميز خلال البطولة، وإنما أيضاً نتيجة التعاطف مع مواقفها السياسية الأخيرة. أما الأرجنتين، فتدخل النهائي بخبرة كبيرة وتاريخ عريق في كأس العالم، فضلاً عن امتلاكها مجموعة من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق في أي لحظة.
ومن المفارقات التي قد تضفي مزيداً من الإثارة على هذا النهائي، أن تتويج إسبانيا بكأس العالم، إن حدث، سيضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في موقف بروتوكولي وسياسي لافت. فالرئيس الذي دخل في خلافات مع مدريد بسبب تباين المواقف حول عدد من الملفات الدولية، ووجه انتقادات حادة للسياسات الإسبانية في أكثر من مناسبة، قد يجد نفسه مضطراً لتسليم الكأس الذهبية إلى قائد المنتخب الإسباني وسط أنظار العالم.
وسيكون ذلك مشهداً رمزياً يعكس مرة أخرى قدرة كرة القدم على كسر الحواجز السياسية وإجبار الخصوم على الالتقاء تحت مظلة الرياضة، حيث تبقى قوانين اللعبة أقوى من الخلافات الدبلوماسية، ويصبح التتويج العالمي لحظة تتجاوز الحسابات السياسية لتدخل التاريخ من أوسع أبوابه.