ما قل ودل

أمام الإبقاء على النظام الدولي أو زواله…إيران و أمريكا ترسمان خريطة العالم

شارك المقال

لم تعد المواجهة مع إيران، في نظر العديد من المحّللين، مجّرد نزاع إقليمي محدود أو تكرار لسيناريوهات الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بل باتت تمثل أحد أهم الاختبارات الجيوسياسية للنظام الدولي الذي تشّكل بعد نهاية الحرب الباردة.

فالحرب، إن اتسع نطاقها، لن تكون شبيهة بالحرب على العراق سنة 2003، عندما وجدت واشنطن نفسها أمام نظام معزول نسبياً، بل ستكون مواجهة مع دولة استطاعت خلال العقود الأخيرة بناء شبكة واسعة من التحالفات والنفوذ الإقليمي، فضلاً عن نسج علاقات استراتيجية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين.

ويرى مراقبون أن الصراع الدائر يتجاوز الملف الإيراني في حد ذاته، ليطرح سؤالاً أكبر يتعلق بمستقبل النظام العالمي: هل يستمر العالم في ظل نظام أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة، أم أن موازين القوى تتجه نحو نظام متعدد الأقطاب تتقاسم فيه الصين وروسيا النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري؟

ومن هذا المنظور، تبدو إيران بالنسبة إلى خصومها أكثر من مجرد دولة في الشرق الأوسط، إذ ينظر إليها باعتبارها حلقة أساسية في مشروع جيوسياسي أوسع يمتد من آسيا الوسطى إلى البحر الأبيض المتوسط، ويرتبط بمبادرات كبرى مثل مشروع “الحزام والطريق” الصيني، الذي يهدف إلى إعادة إحياء طرق التجارة التاريخية بين الشرق والغرب.

وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن الحفاظ على نفوذهم في منطقة الشرق الأوسط يبقى مسألة استراتيجية بالغة الأهمية، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمنطقة وثرواتها الطاقوية وتأثيرها على التجارة العالمية. لذلك، فإن أي تغير جوهري في موازين القوى الإقليمية قد ينعكس مباشرة على شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة.

ويرى بعض المحّللين أن نجاح إيران في الحفاظ على استقرارها الداخلي وتعزيز نفوذها الإقليمي قد يمنح الصين وروسيا هامشاً أكبر للتحرك على الساحة الدولية، بينما قد يؤدي إضعافها إلى إعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي في المنطقة وإبطاء التحولات الجارية نحو عالم متعدد الأقطاب.

وفي الجانب الاقتصادي، لا يقتصر الرهان على الشرق الأوسط وحده، بل يمتد إلى طرق التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. فالممرات البحرية والبرية التي تربط آسيا بأوروبا أصبحت جزءاً من تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى، ما يجعل أي مواجهة في المنطقة ذات تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية.

أما على الساحة الأمريكية الداخلية، فإن أي تطور كبير في السياسة الخارجية قد ينعكس على المشهد السياسي في واشنطن. فالسياسة الخارجية الأمريكية كانت دائماً موضوعاً للنقاش والانقسام بين مختلف التيارات السياسية، كما أن نتائج الأزمات الدولية تؤثر في شعبية الإدارات الأمريكية وفي تقييم الرأي العام لأدائها.

وفي النهاية، تبقى الحرب على إيران، إن تحولت إلى مواجهة شاملة، أكثر من مجرد صراع عسكري تقليدي. إنها معركة تتداخل فيها حسابات الطاقة والتجارة والنفوذ والتحالفات الدولية، وتطرح تساؤلات عميقة حول شكل العالم في السنوات المقبلة: هل يستمر النظام الدولي الحالي بقيادة قطب واحد، أم أن العالم يتجه بالفعل نحو مرحلة جديدة تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ؟

وحدها التطورات القادمة ستكشف إن كان الشرق الأوسط يقف على أعتاب إعادة رسم خريطته الجيوسياسية، أم أن توازنات القوى الدولية ستفرض تسوية جديدة تؤجل الصدام الكبير بين مشاريع الهيمنة المتنافسة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram