يحتفظ تاريخ المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي بمحطات مفصلية لا تزال تحتاج إلى المزيد من البحث والتسليط عليها، ومن بين هذه المحطات ما عرف بـ”نازلة غدر سلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام بالمجاهدين الجزائريين”، وهي القضية التي دفعت الأمير عبد القادر الجزائري إلى اللجوء إلى علماء الأزهر الشريف بمصر طلباً للرأي الشرعي في موقف سلطان المغرب الذي تخلى عن دعمه للمقاومة الجزائرية، وتحالف مع الفرنسيين، بل وص به الحد حتى تضييق الخناق على المجاهدين الجزائريين.
منذ بداية الغزو الفرنسي للجزائر سنة 1830، وجد الأمير عبد القادر نفسه في مواجهة واحدة من أقوى الجيوش الأوروبية آنذاك. ومع اشتداد المعارك، كانت الأراضي المغربية تشكل عمقاً استراتيجياً للمقاومة الجزائرية، حيث لجأ إليها العديد من المجاهدين، كما كانت القبائل الحدودية تقدم دعماً بشرياً ولوجستياً للأمير.
غير أن الضغوط العسكرية والدبلوماسية الفرنسية على المغرب تصاعدت بشكل كبير، خاصة بعد معركة إيسلي سنة 1844 التي انهزم فيها الجيش المغربي أمام القوات الفرنسية. ومنذ ذلك التاريخ، دخلت العلاقات المغربية الفرنسية مرحلة جديدة، دفعت السلطان عبد الرحمن بن هشام إلى انتهاج سياسة أكثر حذراً تجاه الأمير عبد القادر ومقاومته.
حيث وصل به الأمر إلى تضييق الخناق على الأمير ورجاله، ومنع الكثير من أشكال الإسناد التي كانت تصل إلى المجاهدين من قبل بعض القبائل، وهو ما اعتبره الأمير خذلاناً لقضية إسلامية ووطنية كبرى.
استفتاء علماء الأزهر
أمام هذه التطورات، رفع الأمير عبد القادر القضية إلى علماء الأزهر الشريف، طالباً بيان الحكم الشرعي في موقف سلطان مسلم يتحالف مع قوة أجنبية محتلة ضد مجاهدين يدافعون عن أرضهم ودينهم.
وقد كانت النازلة ذات أهمية كبيرة، ليس فقط لأنها تتعلق بمصير المقاومة الجزائرية، وإنما لأنها طرحت سؤالاً فقهياً وسياسياً حساساً حول حدود طاعة الحاكم، وحكم موالاة المحتل ضد المسلمين، وموقف الأمة من الجهاد ضد الاحتلال.
و كان من أبرز من تصدى لهذه النازلة الشيخ محمد عليش، أحد كبار علماء المالكية في القرن التاسع عشر، ومفتي الديار المصرية آنذاك، والذي يعد من أعلام الفقه الإسلامي في العصر الحديث.
وقد تناول الشيخ محمد عليش القضية من منظور شرعي خالص، مؤكداً على مكانة الجهاد في الدفاع عن الأرض الإسلامية، ورافضاً أي موقف يؤدي إلى إعانة المحتل أو التضييق على المجاهدين.
و أفتى الشيخ محمد عليش، بوجوب جهاد فرنسا ونصرة الأمير عبد القادر الجزائري، معتبراً معاهدات السلطان المغربي عبد الرحمن بن هشام مع فرنسا باطلة شرعاً، ومفتياً بجواز قتال السلطان إذا تعاون مع الفرنسيين وحاصر الأمير.
وتكشف هذه الواقعة جانباً مهماً من شخصية الأمير عبد القادر، الذي لم يكن قائداً عسكرياً فحسب، بل كان أيضاً فقيهاً وسياسياً يدرك أهمية الشرعية الدينية في إدارة الصراعات الكبرى. لذلك لجأ إلى العلماء والمؤسسات الدينية الكبرى في العالم الإسلامي، ساعياً إلى توحيد الموقف الإسلامي تجاه القضية الجزائرية.
كما تؤكد هذه الحادثة أن القضية الجزائرية لم تكن شأناً محلياً فحسب، بل كانت قضية أمة بأكملها، استقطبت اهتمام العلماء والمفكرين في مختلف الأقطار الإسلامية.
صفحات منسية من الذاكرة التاريخية
إن استفتاء الأمير عبد القادر لعلماء الأزهر بشأن موقف سلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام يمثل وثيقة تاريخية وسياسية وفقهية بالغة الأهمية، لأنه يسلط الضوء على التعقيدات التي واجهتها المقاومة الجزائرية، ليس فقط في مواجهة الاستعمار الفرنسي، بل أيضاً في التعامل مع التحولات السياسية والإقليمية التي فرضتها الظروف في تلك الحقبة و أستشارة الأمير الحاج عبد القادر علماء الأزهر بمصر بخصوص نازلة غدر سلطان المغرب عبد الرحمان بن هشام وتحالفه مع الفرنسيس وتضييقه على المجاهدين.
وتبقى هذه النازلة شاهداً على أن الأمير عبد القادر كان يدرك أن معركة التحرير لا تُخاض بالسيف وحده، بل تحتاج أيضاً إلى الكلمة والفتوى والموقف الشرعي، وأن التاريخ لا يخّلد فقط الانتصارات العسكرية، بل يخلد أيضاً المواقف التي انتصرت للحق والوفاء في زمن اشتدت فيه الضغوط وتبدلت فيه التحالفات.