يحفظ التاريخ السياسي للبشرية أن أي نظام حكم، مهما بلغت قوته أو شعبيته، لا يخلو من معارضة. فالاختلاف في الرأي سنة كونية، والتعدد في الأفكار أحد مظاهر حيوية المجتمعات. غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذه المعارضة؛ فهناك معارضة تجعل من النقد وسيلة للإصلاح والبناء، وأخرى تتخذ من الهدم والتشكيك والتحريض منهجاً، حتى ولو كان الثمن زعزعة استقرار الأوطان.
ولعل أعظم نموذج للمعارضة الإيجابية سجله التاريخ الإسلامي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما خاطب الناس قائلاً: “إن رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني.” فوقف أحد المسلمين قائلاً: “والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا.” فما كان من عمر إلا أن حمد الله قائلاً إن في الأمة من يقوم اعوجاج الحاكم. لم يعتبرها تمرداً، ولم ينظر إليها باعتبارها مؤامرة، بل رأى فيها ضمانة لاستقامة الحكم وعدالته.
لقد كانت تلك الحادثة إعلاناً مبكراً لمفهوم الرقابة الشعبية والمسؤولية السياسية، ورسخت أن الحاكم الصالح لا يخشى النقد الصادق، بل يعتبره وسيلة لتصحيح المسار وتحسين الأداء.
وفي هذا السياق، تكتسي تصريحات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، خلال لقائه بأفراد الجالية الجزائرية في ألمانيا، دلالة سياسية لافتة عندما أكد ترحيبه بالمعارضين في وطنهم. وهي رسالة يمكن فهمها في إطار الدعوة إلى معارضة وطنية مسؤولة، تعبر عن آرائها داخل إطار احترام الدولة ومؤسساتها، وتسهم في كشف النقائص واقتراح الحلول، باعتبار أن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة الاختلاف في حب الوطن.
فالمعارضة الإيجابية ليست تلك التي تكتفي برفض كل شيء، وإنما هي التي تراقب أداء السلطة، وتكشف مواطن الخلل، وتقترح البدائل، وتدافع عن المصلحة العامة، لأن الديمقراطيات الحديثة لا تقوم على وجود سلطة فقط، وإنما على وجود معارضة قوية ومسؤولة تمارس دورها في إطار القانون.
وفي المقابل، يفرق كثير من المفكرين بين المعارضة السياسية المشروعة وبين الممارسات التي قد تتجاوز حدود التنافس السياسي إلى الدعوة للعنف أو الارتهان لأجندات خارجية أو تبرير المساس بسيادة الدولة. فهذه القضايا تظل محل نقاش واسع، وتختلف تقييماتها بحسب الوقائع والأدلة والسياقات القانونية والسياسية.
ولعل ما استوقفني و أنا أكتب مقال الرأي هذا هو ما حدث في تركيا خلال محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 2016، عندما شهدت البلاد مواقف متباينة من وسائل الإعلام والقوى السياسية. وقد أصبحت تلك الأحداث مثالاً يُستشهد به في النقاش حول دور المعارضة الإيجابية و الإعلام في الأزمات، إذ برزت أهمية تمكين المسؤولين من مخاطبة الرأي العام، حيث لم تكن “هانده فرات” من المذيعات المحسوبات على الرئيس رجب طيب أردوغان، بل عرفت بمواقفها الناقدة له, لكن عندما بدأت الأخبار تتحدث عن تحرك عسكري، أدركت فرات أن الصمت لم يعد موقفا مهنيا، وأن الخلاف السياسي لا يبرر ترك البلاد رهينة للدبابات.
بادرت هانده إلى الاتصال بأردوغان، ثم وضعت هاتفها أمام الكاميرا، ليتحدث من خلاله مباشرة إلى المواطنين ويدعوهم إلى الدفاع عن الشرعية المنتخبة.
وأثر ذلك في تطورات المشهد السياسي. وينظر بعض المحللين إلى تلك المرحلة بوصفها دليلاً على أن الحفاظ على الاستقرار الدستوري قد يدفع حتى أطرافاً تختلف سياسياً إلى رفض أي تغيير يتم خارج الأطر الديمقراطية.
إن الأوطان لا تُبنى بالصوت الواحد، كما أنها لا تستقيم بالفوضى. فبين التأييد المطلق والرفض المطلق مساحة واسعة اسمها المعارضة الوطنية؛ معارضة تختلف مع السلطة لكنها لا تختلف مع الوطن، تنتقد المسؤول لكنها لا تسيء إلى الدولة، وتطالب بالإصلاح دون أن تجعل من الأزمات فرصة لإضعاف البلاد.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الحكومات تحتاج إلى من يراقبها بقدر حاجتها إلى من يساندها، وأن النقد الموضوعي كان دائماً سبباً في تصحيح الأخطاء وتحسين الأداء. فالمعارضة الحقيقية لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بقدرتها على تقديم البدائل وصناعة الحلول، لأن السياسة في جوهرها ليست معركة لإسقاط الخصوم، بل مسؤولية مشتركة لبناء الدولة.
وفي النهاية، يبقى الوطن هو القاسم المشترك بين الجميع، سلطةً ومعارضةً، حكومةً ومواطنين. وإذا كان الاختلاف حقاً مكفولاً، فإن الحفاظ على استقرار الدولة وسيادتها ومؤسساتها يظل مسؤولية جماعية. فالتاريخ لا يخلد من أكثر صخباً، بل يخلد أولئك الذين جعلوا من اختلافهم وسيلة للإصلاح، ومن معارضتهم جسراً يعبر بالأوطان نحو مستقبل أفضل.