ما قل ودل

صفحة مشرقة من تاريخ المقاومة الجزائرية…عندما أذلت تلمسان إسبانيا

رسم تخيلي حول معركة تيبدة

شارك المقال

لطالما كانت مدينة تلمسان أكثر من مجرد حاضرة تاريخية تزخر بالقصور والمساجد والمدارس العريقة، فقد كانت أيضاً قلعة عصية على الغزاة، وواحدة من أبرز المدن التي صنعت صفحات مشرقة في تاريخ المقاومة الجزائرية. ومن بين تلك الصفحات الخالدة، تبرز أحداث معركة “تيبدة” سنة 1535، حين وقفت تلمسان في وجه إحدى أقوى القوى العسكرية في البحر الأبيض المتوسط آنذاك، وهي الإمبراطورية الإسبانية.

بعد احتلال الإسبان لمدينة وهران سنة 1509، لم يتوقف طموحهم عند حدود الساحل، بل سعوا إلى بسط نفوذهم على غرب الجزائر، مستغلين الاضطرابات التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة من حكم الدولة الزيانية. وكانت تلمسان، عاصمة بني زيان، الهدف الأبرز لهذا المشروع التوسعي، لما تمثله من أهمية سياسية واقتصادية واستراتيجية.

وفي سنة 1535، تقدمت قوة من الإحتلال الإسباني انطلاقاً من وهران نحو تلمسان، وهي تعتقد أن الطريق سيكون معبداً أمامها، وأن المدينة ستسقط كما سقطت مدن أخرى تحت وطأة القوة العسكرية. غير أن حسابات الميدان جاءت مخالفة تماماً لتوقعاتها.

فعند منطقة تِبْدة الواقعة بالقرب من تلمسان، اصطدمت الحملة الإسبانية بمقاومة شرسة من فرسان المنطقة وحلفائهم، الذين أظهروا شجاعة كبيرة في الدفاع عن أرضهم. وتحولت الحملة التي كانت تهدف إلى توسيع النفوذ الإسباني إلى انتكاسة عسكرية أكدت أن تلمسان ليست مدينة يمكن إخضاعها بسهولة.

ولم يكن هذا الانتصار مجرد نجاح عسكري عابر، بل كان رسالة واضحة مفادها أن الشعوب المتمسكة بحريتها وتاريخها قادرة على الوقوف في وجه القوى الكبرى مهما بلغ حجم تفوقها العسكري. فقد أثبتت تلمسان أن قوة الأمم لا تقاس بعدد الجيوش فقط، وإنما أيضاً بوحدة أهلها وإيمانهم بحقهم في الدفاع عن وطنهم.

لقد كانت تلمسان آنذاك إحدى أهم العواصم الحضارية في المغرب الإسلامي، واشتهرت بازدهارها العلمي والثقافي والتجاري، لكن تاريخها لم يُكتب بالعلم والعمران فقط، بل أيضاً بالمواقف البطولية التي حفظت استقلالها وكرامتها في وجه محاولات الهيمنة الأجنبية.

واليوم، وبعد مرور قرون على تلك الأحداث، لا تزال تلمسان شاهدة على أمجادها. فأسوارها ومساجدها ومدارسها العتيقة ليست وحدها التي تروي تاريخها، بل إن كل معركة خاضها رجالها دفاعاً عن الأرض تضيف صفحة جديدة إلى سجل مدينة كانت، وما تزال، رمزاً للعزة والصمود.

إن معركة “تيبدة” سنة 1535 تذّكرنا بأن الجزائر لم تكن يوماً أرضاً سهلة للغزاة، وأن تلمسان، مثلها مثل كثير من المدن الجزائرية، قدمت نموذجاً خالداً في مقاومة الأطماع الأجنبية، لتبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية كمدينة صنعت التاريخ بقلم الحضارة، وحمته بحد السيف, لذا فإن تلمسان كانت دوما مدينة، وشعب، وذاكرة لا تنحني أمام الإمبراطوريات.

المصدر: تاريخ الجزائر العام – أبو القاسم سعد الله

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram