تتكسر الإدعاءات والأطروحات السياسية في غالب الأحيان عندما تصطدم بصخرة حقائق التاريخ المدوّنة؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه خطّ المخزن السياسي إلى إعادة رسم الخرائط وفق أهوائه، والقفز على قضايا مصيرية كالأراضي الخاضعة للاستعمار الإسباني أو قضية الصحراء الغربية المغتصبة، تعود المصادر الأصيلة لتبين الحقائق التي حاول البعض تغييبها.
ولعل أبرز هؤلاء الأعلام الذين صاغوا رؤية تاريخية نقدية هو المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون، المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع، والذي كتب شطراً كبيراً من مؤلفه الشهير “المقدمة” بقلعة بني سلامة في فرندة الجزائرية.
يستعرض ابن خلدون في كتابه المرجعي “ديوان العبر” تفاصيل نشأة وتمدد زيري بن عطية المغراوي، حيث ولد سنة 952 ميلادية بمنطقة الأوراس الجزائرية، وينتمي إلى قبيلة مغراوة الزناتية الشهيرة التي استوطنت إقليم الوسط والشرق الجزائري. وقد شهدت المنطقة آنذاك تنافساً وسيادة بوجوه متعددة، حيث ناصب زيري بن عطية وسلالته العداء للباقين في السلطة وعلى رأسهم القائد بولوغين بن زيري الصنهاجي، مؤسس الدولة الزيرية والعاصمة آشير. وبعد تحولات الصراع السياسي والعسكري في تلك الحقبة، اتجه زيري بن عطية برفقة مناصريه نحو المغرب الأقصى ليكوّن نفوذاً وإمارة مستقلة بذاتها.
وتتفق المصادر التاريخية على أن التوسع السياسي والوجود المؤسسي لزيري بن عطية في المغرب الأقصى لم يكن مجرد حضور عابر، بل تجسد في بناء حواضر خلدها التاريخ. فبعد أن استطاع القضاء على الفتن المتأججة بين القبائل المتناحرة في الشمال، وتثبيت حكمه بعد وفاة أخيه مقاتل بن عطية، قام ببناء مدينة وجدة سنة 990 ميلادية لتكون حصناً ثغرياً وقاعدة استراتيجية وجعلها عاصمة لملكه.
لم يكن بن عطية مجرد قائد عسكري، بل كان صاحب موقف سياسي حاسم وله سيادته المستقلة. وتذكر المراجع التاريخية أنه رفض منصب الوزارة الذي عُرض عليه في قرطبة على يد الحاجب المنصور بن أبي عامر، حيث جاء رفضه اعتراضاً على سلب السلطة والسيادة من الخليفة الشرعي المؤيد بن هشام، مفضلاً البقاء على رأس حواضره وإماراته في المغرب الأقصى على حساب الامتيازات والجاه في الدولة الأموية بالأندلس.
إن العودة إلى الوثائق والتاريخ الأكاديمي ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي تذكير بحجم الحقائق التاريخية التي تحاول بعض الروايات السياسية الحالية طمسها. إن تجريد القضايا من سياقها والهروب نحو الأمام لتبرير أطماع في المنطقة يفقد توازنه أمام محطات التاريخ الفاصلة، وستبقى كتابات ابن خلدون وأمهات الكتب شواهد حية على سيرورة المنطقة ورجالاتها بعيداً عن محاولات التزييف… ولا يزال للحديث بقية.