تُمثّل مواقف علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين محطات مفصلية في تاريخ النضال ضد الاستعمار الغاشم، وفي مقدمة هذه المواقف تأتي الرسالة الفكرية والعقائدية الصارمة التي صاغها العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي حول قضية “موالاة المستعمر”. حيث وجّه نداءً حاسماً للأمة قاطبة، أفراداً وهيئات وحكومات، حذّرهم فيه من الركون إلى المحتل أو مهادنته، مؤكداً أن موالاة المستعمر لا تُعد مجرد خطأ سياسي، بل هي خروجٌ صريح عن قيم الدين وعداوة بيّنة لله تعالى عّز مقداره، لأنها تمكينٌ للظلم والطغيان على حساب الحق والكرامة.
وفي تفكيكه للسياسة الاستعمارية، كشف الإبراهيمي عن حقيقة النوايا الغربية تجاه الشعوب المُحتلة، مبيناً أن المستعمر يتصرف دائماً وفق مصلحته الذاتية؛ ففي السلم تتقدم مصالحه على مصالح البلاد، وفي الحرب تجعل هذه القوى من أوطان المسلمين وأبنائهم وقوداً وغنيمة. كما شّدد على أن الاستعمار لا يملك عهداً ولا أماناً، وأن المراهنة على معاهداته أو الائتمان لوعده ليس إلا ضرباً من الوهم الذي يطيل عمر وجوده، محذراً الشعوب من أن يُسجل التاريخ عليها مساهمتها في مدّ أجل الاحتلال وموالاته وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
واختتم الشيخ رؤيته بتحذير شديد اللهجة من عقد التحالفات مع القوى الاستعمارية، متطرقاً إلى سلوكها الغادر الذي يشبه الضباع التي لا ترعى إلّاً ولا ذمة، حيث لا تتوانى عن التضحية بحلفائها وأكلهم قبل أعدائهم بمجرد أن تقتضي مصالحها ذلك. وتظل هذه الكلمات حقيقة تاريخية وعقائدية تتجاوز عصرها، لتشكل درساً دائماً للأمم يؤكد أن السيادة والحرية لا تُستجدى من المستعمرين، بل تُبنى بالإخلاص لله، واعتزاز الأمة بهويتها، واستقلال قرارها الوطني.