لم يكن الأمير عبد القادر الجزائري مجرد قائد عسكري فذّ أو رجل دولة وسياسة فحسب، بل كان رقماً صعباً ورائداً بفكره الاستراتيجي الذي تجاوز عصره. ففي وقت كانت فيه القوى العظمى تتسابق لتطوير ترسانتها العسكرية، كان الأمير يخوض معركة مزدوجة: معركة السلاح في الميدان، ومعركة التصنيع العسكري المستقل لبناء الدولة الجزائرية الحديثة.
وتكشف الوثائق التاريخية والأرشيفات العسكرية الفرنسية عن حقائق مذهلة حول المجمع الصناعي الحربي الذي أسسه الأمير عبد القادر، محاولاً من خلاله الاستفادة من أحدث التقنيات العسكرية في زمانه بما في ذلك محاولة محاكاة سلاح الصواريخ الحديثة.
تاقدمت عاصمة التصنيع العسكري
أسس الأمير عبد القادر بين عامي 1837 و1840 شبكة من المصانع الحربية توزعت عبر: تاقدمت (العاصمة)، معسكر، مليانة، سعيدة، وتلمسان؛ لتوفير البارود والمدافع والبنادق.
ولم يتردد الأمير في الاستعانة بالخبرات الأجنبية لتطوير هذه الصناعة. ويشير المؤرخ “تشارلز هنري تشرشل” في كتابه “حياة الأمير عبد القادر” (1867) إلى أن جيش الأمير كان يضم كفاءات ومنشقين من عدة جنسيات (إنجليز، إيطاليين، إسبان وغيرهم).
الانفراد بصناعة “الصواريخ”…تجربة سبّاقة لم تكتمل
تُعتبر صواريخ “كونغريف” (Congreve rocket) التي ابتكرها الإنجليز عام 1804 أول سلاح صاروخي حربي حديث. وقد استخدمها الفرنسيون أنفسهم ضد جيش الأمير في معارك مفصلية مثل معركة المقطع (1835) وخنق النطاح (1832).
لم يقف الأمير عبد القادر موقف المتفرج أمام هذا السلاح الفتاك، بل أمر بجمع الصواريخ التي لم تنفجر في أرض المعركة ونقلها فوراً إلى ورشاته لتحليلها وإعادة تصنيعها:
-
ورشة الصواريخ بتاقدمت: أسس الأمير ورشة خاصة لتصنيع صواريخ حارقة شبيهة بـ “كونغريف”.
-
شهادة “ليون روش”: ذكر المترجم الفرنسي “ليون روش” في مذكراته (32 سنة في الإسلام) أن التجارب الأولى كانت قاسية وصعبة، حيث شهدت انفجارات في منصات الإطلاق أدت إلى مقتل عدد من العمال.
-
الدليل الميداني لبيجو: عقب سقوط عاصمة الأمير “تاقدامت” في 25 ماي 1841، بعث الجنرال بيجو بتقرير إلى وزير الحرب الفرنسي يخبره فيه بعثور القوات الفرنسية داخل الورشة على 12 هيكلاً لصواريخ غير مكتملة التصنيع.
السقوط والتوقف…معركة المناجم والحصار
لم تتوقف تجارب الأمير الصاروخية وتصنيع المدافع نتيجة عجز في الفكرة، بل بسبب التحول الميداني القاسي, فبعد سقوط تاقدمت عام 1841 وسيطرة القوات الفرنسية على المناجم الحيوية للحديد والبارود في الونشريس ومليانة، حُرِم المجمع الصناعي للأمير من المواد الخام الأساسية.
لتظل تجربة الأمير عبد القادر في التصنيع الحربي شهادة تاريخية ساطعة على عبقرية رجل حاول في منتصف القرن التاسع عشر توطين التكنولوجيا العسكرية الباليستية بمهارات دولية على أرض الجزائر. إنجازٌ يثبت أن الروح الجزائرية كانت دائماً سباقة لاستخدام أسباب القوة من أجل نيل الاستقلال و استرجاع السيادة.