لم تعد اللغة مجرد وسيلة للتخاطب، ولا مجموعة من الكلمات والقواعد التي يتعلمها التلميذ داخل القسم، بل هي وعاء للمعرفة، وأداة لبناء الوعي، وجسر يصل المجتمع بتاريخه وثقافته، كما أنها في الدول التي تحسن توظيفها تتحول إلى عنصر من عناصر القوة والسيادة.
ومن هنا تعود إلى الواجهة قضية مكانة اللغة الإنجليزية في المدرسة والجامعة والإدارة ومجالات البحث العلمي، خصوصاً في بلادنا، أين بدأت اللغة الفرنسية رغم احتفاظها بإرثها التاريخي تستعد للدخول إلى المتحف، نظير التحولات التي يشهدها العالم واتساع استخدام الإنجليزية في العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
للتذكير أن ابن باديس كان ينظر إلى التعليم باعتباره إحدى أهم ساحات بناء الشخصية الجزائرية، ولذلك ارتبط مشروعه الإصلاحي ارتباطاً وثيقاً بالتعليم واللغة والهوية.
والرسالة التي يمكن استخلاصها من هذا الفكر لا تعني الانغلاق أمام اللغات الأجنبية، بل تعني أن يتعلم الجزائري اللغات الأخرى من موقع الثقة بلغته الأصلية، لا على حسابها.
فالطالب الذي يتقن العربية والإنجليزية في الوقت الراهن مثلاً، يمتلك أدوات أوسع من الطالب الذي لا يعرف إلا لغة أجنبية واحدة أكل الدهر عليها و شرب. و ما نلاحظه حاليا أن الإجليزية أضحت العمود الفقري للبحث العلمي الحديث و باتت شرط ضمني للوصول إلى المعرفة، بينما تتراجع اللغة وريثة الاستعمار إلى موقع ثانوي إن لم نقل لم تعد تجدي نفعا سوى في جدارها الجغرافي فقط.
اللغة العربية لغة المستقبل إن أريد لها ذلك
السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: هل العربية لغةالعصر؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى إثبات تاريخي, فهي دون شك أكثر فخامة و ذات حضور تاريخي من اللغة الفرنسية.
فاللغة العربية لغة يتحدث بها مئات الملايين من البشر عبر أرجاء المعمورة، ولها تراث علمي وفلسفي وأدبي هائل، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً في العصر الرقمي والعلمي: حجم المحتوى العلمي الحديث المتاح بها، وجودة الترجمة، وحضورها في البرمجيات والذكاء الاصطناعي، وقدرتها على إنتاج المصطلح العلمي الحديث, و هذا هو الإشكال الذي يجب الإستثمار فيه للمضي باللغة العربية قدما نحو الذوبان و مجاراة عالم التدريس والبحث والنشر بها، و بالتالي تحرير مجلات علمية رصينة، و خلق مصطلحات موحدة، ومختبرات ترجمة، وقواعد بيانات رقمية، ومحتوى علمي عربي متاح للطالب والباحث.
العربية لا تعادي اللغات الأجنبية
ومن الخطأ اعتبار اللغة العربية عدوة للإنجليزية أو باقي اللغات الأجنبية, فبلادنا تحتاج إلى العربية والأمازيغية والإنجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات بحسب المجالات والحاجات، لكن الأولوية يجب أن تكون لبناء منظومة لغوية لا تجعل الطالب الجزائري مضطراً إلى الإتكال على الفرنسية حتى يصل إلى المعرفة.
فكما نعلم فإن الإنجليزية اليوم هي اللغة الأكثر حضوراً في قطاعات واسعة من البحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، ولذلك فإن تعزيز تعليمها كما أمرت بذلك وزارة التربية مؤخرا يعتبر خيار عملي ومفيد. لكن ذلك لا يعني أن تتحول الإنجليزية إلى بديل عن العربية، بل إلى نافذة إضافية على العالم.
أما الفرنسية، فوجودها التاريخي في الجزائر حقيقة اجتماعية وثقافية لا يمكن إنكارها، لكن استمرار استخدامها ينبغي أن يُقاس بمنطق الحاجة والكفاءة، لا بمنطق الإرث الاستعماري وحده.
تجربة رواندا…درس إفريقي مهم
ومن الأمثلة التي تُستعمل كثيراً في النقاش حول اللغة رواندا, فبعد التحولات التي عرفتها البلاد، انتقلت رواندا سنة 2008 من الفرنسية إلى الإنجليزية كلغة رئيسية للتدريس، مع استمرار الكينيارواندية كلغة وطنية، وبقاء الفرنسية ضمن اللغات الثانوية. وتربط الدراسات هذا التحول أيضاً برغبة رواندا في الاندماج في شرق إفريقيا وتعزيز مشاركتها في الاقتصاد العالمي, من حينها عرفت رواندا التطور حسب المؤشرات الإقتصادية الأخيرة.
الدول الإفريقة لجأت للإنجليزية للقضاء على التبعية
يمكن للمرء أن يتعلم الفرنسية، ويقرأ بها، ويتواصل بها، ويستفيد من الأدب والعلوم التي كتبت بها، دون أن يعني ذلك التخلي عن لغته الرسمية.
المشكلة ليست في معرفة لغة أجنبية، وإنما في أن يشعر الطالب أن لغته الوطنية فخر لأن تحمل المعرفة الحديثة, وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
فإذا أردنا العربية لغة المستقبل، علينا أن نضعها أمام تحديات المستقبل: الذكاء الاصطناعي، علوم الفضاء، الطب، الهندسة، البرمجة، الأمن السيبراني، الاقتصاد، الفيزياء، التكنولوجيا الحيوية والبحث العلمي.
نحتاج إلى ترجمة آلاف الكتب والمراجع الحديثة، وإنتاج مئات الآلاف من الصفحات العلمية، وتطوير المصطلحات، ودعم الباحثين الذين ينشرون بالعربية، وبناء أدوات رقمية وذكاء اصطناعي يفهم العربية بمستوى يضاهي اللغات الكبرى.
من لغة التعليم إلى لغة الإنتاج
إن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو اختزال قضية العربية في تغيير لغة التدريس فقط فلغة التعليم لا تصبح لغة علم إلا عندما تصبح لغة إنتاج علمي.
فالجامعة الجزائرية مطالبة بإنتاج المعرفة بالعربية، وبالإنجليزية أيضاً عندما تقتضي طبيعة البحث ذلك، مع الاستفادة من الفرنسية وغيرها كلغة ثانوية. فالباحث لا ينبغي أن يكون أسيراً للغة واحدة، بل ينبغي أن يكون قادراً على الوصول إلى المعرفة العالمية وإنتاجها ونقلها إلى المجتمع.
وهذا هو النموذج الذي نحتاجه: عربية قوية في الداخل، وإنجليزية قوية للانفتاح على العالم، وإتقان واعٍ للغات أخرى عند الحاجة.