في لقاء إعلامي حمل رسائل سياسية واقتصادية ودبلوماسية متعددة، رسم رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ملامح مرحلة جديدة في مسار الجزائر، مؤكدا أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، وأن الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تعزيز السيادة الوطنية، وتثبيت الاستقرار، ودفع عجلة التنمية، والاستثمار في الكفاءات الجزائرية داخل الوطن وخارجه.
وأعرب رئيس الجمهورية عن تفاؤله الكبير بمستقبل الجزائر، مشيدا بدرجة الوعي التي بلغها المواطن الجزائري في تعاطيه مع مختلف التحديات التي تواجه البلاد، ومبرزا أن الجزائريين أصبحوا أكثر إدراكا لما وصفه بحجم “المؤامرة” التي تتعرض لها بلادهم.
وشدد الرئيس تبون على أن الجزائر لا تخضع للضغوط والتهديدات، ولا يمكن أن تكون محل مساومة، مؤكدا أن الجزائر “لا تخضع للضغوط والتهديدات ولا تشترى ولا تباع”، في رسالة تعكس تمسك الدولة بقرارها السيادي واستقلالية خياراتها الوطنية.
شباب الجزائر…وطنية تتجاوز الحدود
وفي سياق حديثه عن الوعي الوطني، توقف رئيس الجمهورية عند الهبة التضامنية التي أظهرها الجزائريون خلال حرائق الغابات التي مست عددا من ولايات الوطن، معتبرا أن روح التضامن والتكافل التي ظهرت خلال هذه الظروف الصعبة تعكس عمق الحس الوطني لدى الشعب الجزائري.
وخص الرئيس تبون الشباب الجزائري بتحية إجلال، مشيدا بما وصفه بالوطنية العالية وروح التطوع الرائعة التي تميزهم، معتبرا أن هذا الجيل أصبح “يبهر العالم أكثر فأكثر”، ليس فقط بما يحققه من نجاحات، وإنما أيضا بما يظهره من استعداد لخدمة بلاده ومجتمعه في الأوقات الصعبة.
وفي ملف حريق مؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية في الجزائر العاصمة، أمر رئيس الجمهورية المصالح الأمنية بفتح تحقيق معمق جدا للكشف عن ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات، في تأكيد على ضرورة الوصول إلى الحقيقة وحماية المؤسسات التي تحتضن الفئات الهشة من المجتمع.
حوار سياسي مع الأحزاب خلال الدخول الاجتماعي
سياسيا، أعلن رئيس الجمهورية التزامه بإطلاق حوار مع الأحزاب السياسية المستوفية للشروط القانونية المنصوص عليها في قانون الأحزاب، وذلك خلال الدخول الاجتماعي المقبل.
ويأتي هذا الإعلان ليؤكد أن المرحلة المقبلة قد تشهد انفتاحا أكبر على النقاش السياسي، من خلال الاستماع إلى مختلف القوى السياسية التي تستوفي الشروط القانونية، بما يسمح بطرح الانشغالات الوطنية ومناقشة التحديات التي تواجه البلاد في إطار المؤسسات والقانون.
أما بخصوص التشكيلة الحكومية المقبلة، فأوضح الرئيس تبون أن تعيينها سيتم وفقا لما ينص عليه الدستور في حال وجود أغلبية رئاسية في البرلمان، مشددا على ضرورة أن تتوفر الحكومة على الكفاءة والواقعية والبراغماتية في التسيير، وأن تكون قريبة من المواطن وقادرة على الاستجابة لانشغالاته اليومية.
زيادات اجتماعية تدريجية ابتداء من 2027
وفي الشأن الاجتماعي، أكد رئيس الجمهورية مواصلة رفع الأجور ومنح المتقاعدين والأجر الوطني الأدنى المضمون، بداية من سنة 2027، موضحا أن هذه الإجراءات ستنفذ بصورة تدريجية بما يسمح بالحفاظ على التوازنات الاقتصادية والتحكم في التضخم.
وتعكس هذه المقاربة محاولة للموازنة بين تحسين القدرة الشرائية للمواطن من جهة، والحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي من جهة أخرى، خصوصا في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
السكك الحديدية…ربط الشمال بالجنوب
ومن بين المشاريع الهيكلية الكبرى التي توقف عندها رئيس الجمهورية مشروع السكة الحديدية الذي يربط تمنراست بالجزائر العاصمة، والذي يرتقب استلامه في غضون سنة 2028.
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على الجانب المرتبط بالنقل، بل يتجاوز ذلك إلى كونه جزءا من رؤية أوسع لربط مختلف مناطق البلاد، وفتح المجال أمام تنشيط المبادلات الاقتصادية والاستثمارية، وربط مناطق الجنوب بالمراكز الاقتصادية الكبرى في الشمال.
الجزائر والجوار…بلدنا لا يؤذي جيرانه
وفي حديثه عن دول الجوار، أكد رئيس الجمهورية أن الجزائر لن تؤذي جيرانها أبدا، مستحضرا عمق العلاقات التاريخية وأواصر الأخوة وحسن الجوار التي تجمع الجزائر ومالي منذ قرون.
كما توقف عند التهديد الإرهابي الذي تواجهه تونس، مطلقا رسالة واضحة مفادها: “من يمس تونس يمسنا”، في تأكيد على أن أمن تونس واستقرارها يندرجان ضمن دائرة الأمن الإقليمي الذي توليه الجزائر أهمية كبيرة.
وفي الشرق الأوسط، أكد رئيس الجمهورية استعداد الجزائر للمساهمة في حل عدد من المشاكل التي تواجه المنطقة، مشيرا إلى أن الجزائر توجد في خندق واحد مع دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية.
الأمير عبد القادر…التاريخ يتحول إلى مشروع ثقافي
ثقافيا، أشاد الرئيس تبون بالتدشين الرسمي لـ”كرسي الأمير عبد القادر” بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية التابع لجامعة أكسفورد البريطانية، في خطوة تحمل رمزية كبيرة بالنسبة لشخصية الأمير عبد القادر ومكانته في التاريخ الجزائري والعالمي.
كما أعلن أن تصوير الفيلم الذي يتناول سيرة الأمير عبد القادر سينطلق مع نهاية سنة 2027، مجددا التأكيد على وجود إرادة سياسية للنهوض بقطاع السينما.
وبذلك يبدو الأمير عبد القادر حاضرا في أكثر من مسار: في الذاكرة الوطنية، وفي البحث الأكاديمي العالمي، وفي المشروع السينمائي الذي ينتظر أن يعيد تقديم شخصية الأمير للأجيال الجديدة وللجمهور الدولي.
المنتخب الوطني…دعم الاستقرار قبل المونديال
رياضيا، تطرق رئيس الجمهورية إلى مشاركة المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم 2026، معتبرا أن الجزائر تمتلك فريقا جيدا يحتاج إلى الدعم والتشجيع والحفاظ على استقراره.
وأشاد في الوقت نفسه بالاستقبال الحار الذي حظي به الجزائريون في مدينة كانساس، مؤكدا أن هذا الحضور الجزائري في الولايات المتحدة لم يكن رياضيا فقط، وإنما شكل أيضا فرصة للتعريف بصورة الجزائر وشعبها.
وكشف رئيس الجمهورية عن توجيه الدعوة إلى حاكم كانساس ورئيس بلدية المدينة لزيارة الجزائر، إلى جانب تنقل حوالي مائة مواطن أمريكي من المدينة نفسها إلى الجزائر للتعرف على الوجهة السياحية الجزائرية.
وهنا تتحول كرة القدم من مجرد منافسة رياضية إلى جسر للدبلوماسية الشعبية والتعريف بالجزائر سياحيا وثقافيا.
الجزائر ترسم طريقها إلى الأمام
الرسائل التي حملها اللقاء الإعلامي الدوري لرئيس الجمهورية تتجاوز، في مجموعها، حدود الملفات المتفرقة، لتقدم تصورا عاما لجزائر تريد الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها السيادة الاقتصادية، وتعزيز الإنتاج الوطني، والانفتاح على الكفاءات، وتحسين الظروف الاجتماعية، وتوسيع الشراكات الدولية على أساس المصالح المتبادلة.
من الزراعة إلى الصناعة، ومن الطاقة إلى المياه، ومن السكك الحديدية إلى السينما، ومن الحوار السياسي إلى الدبلوماسية، تبدو الأولوية التي رسمها الرئيس تبون واضحة: بناء جزائر أكثر إنتاجا واستقلالية وقدرة على حماية مصالحها، مع الحفاظ على قرارها السيادي وعلاقاتها المتوازنة مع محيطها الإقليمي والدولي.
وبينما أكد رئيس الجمهورية أنه “متفائل جدا” بمستقبل البلاد، فإن التحدي الحقيقي أمام الجزائر خلال السنوات المقبلة سيكون تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وتترجمها الأرقام في الاقتصاد، والمشاريع على أرض الواقع، والمكانة التي تحتلها الجزائر في محيطها الإقليمي والدولي.
الجزائر، وفق الرسالة التي حملها اللقاء، لا تريد فقط تجاوز التحديات الحالية، بل تسعى إلى رسم مستقبلها بإمكاناتها الخاصة، وبثقة أكبر في شعبها وشبابها وكفاءاتها.