ما قل ودل

ندوة “النص بين التأويل الفلسفي والقراءة النقدية”…أكاديمية الوهراني تفتح آفاق الحوار المعرفي بامتياز

شارك المقال

شكّلت الندوة الفكرية الموسومة “بـالنص بين التأويل الفلسفي والقراءة النقدية” حدثًا ثقافيًا لافتًا، جمع بين العمق المعرفي وحيوية النقاش وقدّمت نموذجًا لما ينبغي أن تكون عليه الندوات الجادّة التي تتقاطع فيها الفلسفة مع النقد الأدبي في أفقٍ تأويليّ واسع. جاءت الندوة في إطار نشاط أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، وبمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين الأمر الذي منحها ثقلًا علميًا واضحًا وحضورًا نوعيًا مميزًا.

افتُتحت الندوة بكلمة للدكتورة سعاد بسناسي، رئيسة الأكاديمية، التي رحّبت بالحضور وأكدت أهمية هذا اللقاء الفكري في دعم الحوار الثقافي وإغناء النقاش حول النص بين التأويل الفلسفي والقراءة النقدية. وقد أدارت الدكتورة آمال بوحرب الندوة باقتدار، وافتتحتها بتوضيحٍ لأسباب اختيار هذا الموضوع، مبيّنةً أهميته وراهنيته في الحقلين النقدي والفلسفي، قبل أن تنتقل إلى تسيير الحوار وفتح المجال أمام الضيوف لتقديم مداخلاتهم ورؤاهم المختلفة.

اتسمت الندوة بحسن التنظيم وتوزيع الأدوار، ووضوح المحاور، إلى جانب تنوّع المداخلات التي عالجت النص بوصفه بنية مفتوحة على التأويل لا مجرد مادة لغوية جامدة. وقد بدا واضحًا أن المنظمين أرادوا أن يفتحوا نقاشًا يتجاوز القراءة الانطباعية إلى قراءة تستند إلى أدوات فلسفية ونقدية قادرة على تفكيك طبقات المعنى وإبراز أبعاد النص الجمالية والفكرية في آن واحد

وتكمن أهمية موضوع الندوة في راهنيته؛ فالسؤال عن النص لم يعد سؤالًا لغويًا فحسب  ليصبح سؤالًا معرفيًا وفلسفيًا يمسّ العلاقة بين الكاتب والقارئ، وبين الدلالة والاختلاف، وبين ظاهر القول وباطنه ومن هنا بدت المداخلات، في مجملها منسجمة مع إشكال مركزي مفاده أن النص الأدبي لا يكتمل إلا عبر تعدد القراءات وتفاعل الأفق التأويلي مع أدوات النقد الحديثة.

وقد أسهمت هذه المقاربة في إغناء الحوار وإبراز مرونة النص الأدبي وقدرته على إنتاج المعنى في كل مرة يُقرأ فيها من جديد كما أظهرت الندوة أن القراءة النقدية لا تنفصل عن الحسّ الفلسفي، لأن النص في جوهره سؤال مفتوح على الوجود واللغة والمعنى، وهو ما جعل الجلسة تتجاوز الطابع الاحتفائي إلى فضاءٍ معرفيّ حقيقي.

تميّزت الندوة بحضور أسماء أكاديمية بارزة، وهو ما أضفى عليها بعدًا علميًا معتبرًا، سواء من حيث إدارة الجلسة أو من حيث تنوّع المساهمات. وقد ساعد هذا التنوع في خلق حوار مثمر بين الرؤى المختلفة، إذ التقت المقاربات الفلسفية مع القراءات النقدية في مساحة مشتركة عنوانها: كيف نفهم النص؟ وكيف نعيد إنتاج معناه دون أن نفقد خصوصيته الجمالية؟

 

وقد ركّز الناقد بوبكر عموري على شرح بعض المدارس النقدية والمفاهيم اللغوية، ووقف عند عدد من المصطلحات التي تخدم القراءة النقدية، مبرزًا دوره في خدمة الساحة النقدية والثقافية من خلال الفعاليات والملتقيات الفكرية كما أشار إلى توجه نادي أحمد العرف للنقد ولدوره في تفعيل العملية النقدية في الساحة الادبية وتفعيل الحراك النقدي مع المؤسسات التعليمية الجامعات والمعاهد .

كما قدّمت الناقدة جليلة المازني عرضًا غنيًا لتجربتها النقدية ورؤيتها الخاصة، مستندة في ذلك إلى النصوص والشواهد، وإلى بعض المرجعيات النظرية، ومنها رولان بارت. كما توقفت عند الصلة القائمة بين الفلسفة ونقد النقد، ورأت أن هذا المحور يستحق أن يُدرج ضمن محاور الندوات المقبلة، لما يتيحه من إمكانات واسعة لإعادة مساءلة الخطاب النقدي وتوسيع أفقه المعرفي.

الشاعر جورج عازار، فقد تحدّث عن تجربته الشعرية في الكتابة، وعن رؤيته لموضوع التأويل في النص الشعري كما تخللت مداخلته مقاطع شعرية أمتع بها الحضور وأضفت على الندوة بعدًا جماليًا خاصًا كما تكفّل بإلقاء كلمة المقدّمة والخاتمة للندوة، باعتباره من الأسماء الوازنة في التقديم عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقد أسهمت تجربته الشعرية في خدمة موضوع البحث وإضفاء بعد جمالي ومعرفي على مجرياته.

الدكتورة آمال بوحرب، فقد أدارت الحوار بامتياز، وأحسنت طرح الأسئلة وصياغة الإشكالات، كما عبّرت عن رؤيتها النقدية والفلسفية بوضوح وعمق. وقد اشتغلت على شرح مفاهيم النص الأدبي والقراءة التأويلية والقراءة النقدية، معتمدةً على تجربة جورج عازار نموذجًا، ولا سيما في نصه “عندما يكون الضوء”، بوصفه مثالًا يتيح فهم العلاقة بين الشعر والتأويل والبعد الرمزي في الكتابة الأدبية. كما نجحت في ربط هذه الرؤى بالنص وبالواقع، وفي التأكيد على ضرورة الاهتمام بهذه الدراسات داخل الجامعات والمعاهد، لما تمثله من قيمة معرفية وجمالية في تكوين الذائقة النقدية وصقل الوعي الأدبي.

وقد تميّز الحضور بالأناقة والحضور المشرف، غير أن ضيق الوقت حال دون إتاحة المجال لمداخلات المشاركين والحضور ومن هذا المنطلق، بادرت الدكتورة آمال بوضع برنامج لندوة أخرى تحمل الاسم نفسه، على أن تكون هذه المرة مفتوحة للطرح والنقاش الواسع، بما يتيح مساحة أرحب للتفاعل وتبادل الآراء.

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram