ما قل ودل

من يأتِ فقيراً إلى أسوارها يذهب غنيًا…وهران حاضرة المتوسط وعاصمة الفرص

شارك المقال

المدن العظيمة ليست هي تلك التي تشيدها الحجارة وحدها، بل تلك التي يصنع مجدها الإنسان. ومن بين المدن التي حجزت لنفسها مكانة متميزة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط، تبرز وهران الباهية كواحدة من أهم الحواضر التجارية والثقافية التي ازدهرت عبر القرون، حتى استحقت أن يصفها العلامة والمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون بقوله: “وهران متفوقة على جميع المدن الأخرى بتجارتها، وهي جنة التعساء، من يأتِ فقيراً إلى أسوارها يذهب غنيًا.”

ولم تكن هذه العبارة مجرد ثناء أدبي، بل كانت وصفًا دقيقًا لواقع عاشته المدينة في مراحل طويلة من تاريخها، حين تحولت إلى مركز اقتصادي نابض بالحياة، وميناء استراتيجي يربط شمال إفريقيا بأوروبا والمشرق، ويستقطب التجار والبحارة والحرفيين وطلاب الرزق من مختلف الآفاق.

مدينة ولدت من رحم البحر

كان موقع وهران المطل على البحر الأبيض المتوسط أحد أهم أسرار قوتها. فمنذ تأسيسها في القرن العاشر الميلادي، أصبحت بوابة تجارية مهمة، تمر عبرها السلع القادمة من إفريقيا نحو أوروبا، كما كانت تستقبل البضائع القادمة من الضفة الشمالية للمتوسط، لتوزع نحو الداخل الجزائري وإفريقيا جنوب الصحراء.

هذا الموقع الاستراتيجي منحها مكانة اقتصادية استثنائية، وجعلها فضاءً مفتوحًا للتبادل التجاري والثقافي، فاختلطت فيها الحضارات وتلاقت فيها الشعوب، وازدهرت فيها الأسواق والصناعات التقليدية والمهن المختلفة.

“جنة التعساء”…فلسفة مدينة

حين وصف ابن خلدون وهران بأنها “جنة التعساء”، لم يكن يقصد الترف أو الرفاهية، بل كان يشير إلى قدرة المدينة على احتضان الباحثين عن فرصة جديدة في الحياة.

فكم من تاجر بدأ رحلته برأس مال بسيط، ثم أصبح من كبار التجار، وكم من حرفي أو بحار أو عامل قصد وهران بحثًا عن لقمة العيش، فوجد فيها بيئة تساعده على العمل والاجتهاد وتحقيق الاستقرار.

لقد كانت وهران مدينة تؤمن بأن النجاح لا يُمنح، بل يُكتسب بالعمل، ولذلك تحولت إلى وجهة لكل من أراد أن يبني مستقبله بجهده وعرقه.

التجارة…شريان الحياة

لم تكن التجارة مجرد نشاط اقتصادي في وهران، بل كانت أسلوب حياة ساهم في تشكيل شخصية المدينة وسكانها.

فالميناء، والأسواق، والقوافل التجارية، وحركة السفن، كلها عناصر جعلت من وهران واحدة من أكثر المدن حيوية في غرب البحر الأبيض المتوسط.

ولأن التجارة تقوم على الثقة والتعامل والانفتاح، فقد انعكس ذلك على المجتمع الوهراني الذي اشتهر بحسن الاستقبال والانفتاح على الآخر، مع تمسكه في الوقت نفسه بأصالته وهويته الجزائرية.

الكرم…هوية لا تتغير

ارتبط اسم وهران عبر تاريخها بقيم الكرم وحسن الضيافة، وهي صفات لم تكن مجرد عادات اجتماعية، بل أصبحت جزءًا من شخصية المدينة.

فالضيف في وهران يُستقبل بترحاب، والغريب يجد من يعينه، وصاحب الحاجة يجد من يرشده، وهو ما جعل المدينة تكتسب سمعة طيبة بين الرحالة والتجار الذين مروا بها عبر العصور.

ولعل هذه الروح الإنسانية هي التي منحت عبارة ابن خلدون معناها الحقيقي، فـ”جنة التعساء” ليست فقط مدينة توفر العمل، بل مدينة تمنح الإنسان الأمل والكرامة.

من الماضي إلى الحاضر

ورغم التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها وهران عبر التاريخ، من الاحتلال الإسباني إلى العهد العثماني ثم الاستعمار الفرنسي، بقيت المدينة محافظة على مكانتها كإحدى أهم الحواضر الجزائرية.

واليوم، تواصل وهران أداء دورها الاقتصادي من خلال مينائها الكبير، ومناطقها الصناعية، ومشاريعها الاستثمارية، إلى جانب مكانتها الثقافية والسياحية التي جعلتها وجهة للزوار من داخل الجزائر وخارجها.

كما أصبحت المدينة خلال السنوات الأخيرة قطبًا اقتصاديًا وصناعيًا بارزًا، يحتضن مشاريع كبرى في مجالات الصناعة والبتروكيمياء والحديد والصلب والطاقة، إلى جانب استضافة التظاهرات الدولية، وهو ما يعكس استمرار الدور الذي لعبته عبر التاريخ كمحرك للتنمية والتبادل الاقتصادي.

فوراء كل هذا التاريخ تقف شخصية الإنسان الوهراني، المعروف بحبه للعمل، واعتزازه بمدينته، وروحه المرحة، وانفتاحه على الآخرين.

فالأماكن تكتسب قيمتها من أهلها، ووهران لم تصبح مدينة عالمية بسبب موقعها الجغرافي فقط، بل لأن أبناءها حافظوا على روحها القائمة على الاجتهاد والكرم والتسامح والتعايش.

وهران…مدينة لا تزال تفتح أبوابها للحالمين

عندما قال ابن خلدون إن “من يأتِ فقيرًا إلى أسوارها يذهب غنيًا”، فإنه لم يكن يتحدث عن المال فقط، بل عن الغنى بالفرص، والخبرة، والعلاقات، والأمل، وهي ثروات لا تقل قيمة عن الذهب.

ولهذا، ستظل وهران، كما كانت عبر القرون، مدينةً تحتضن الطامحين، وتفتح أبوابها للمجتهدين، وتحافظ على مكانتها كواحدة من أجمل المدن الجزائرية وأكثرها تأثيرًا في التاريخ والاقتصاد والثقافة، لتبقى بحق “جنة التعساء” ومدينة الفرص التي لا ينطفئ نورها.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram