ما قل ودل

بين قوة القبضة وقوة الحق…القوة وحدها لا تنتصر دائمًا

الخاطفة اليسارية الأخيرة التي أنهت منطق قوة فورمان

شارك المقال

في عالم يعتقد كثيرون أنه تحكمه موازين القوة وحدها، ينسى البعض أن التاريخ مليء بمحطات انقلبت فيها التوقعات رأسًا على عقب، وأن الغلبة لم تكن دائمًا للأقوى عدةً أو الأكثر نفوذًا، بل لمن امتلك الإرادة والصبر والإيمان بعدالة قضيته.

تتردد على الألسن حكمة عميقة تقول: “ربما بالظلم تستطيع أن تملك كل ما تريد، ولكن بدعوة مظلوم واحدة قد تفقد كل ما ملكت.” وهي ليست مجرد عبارة وجدانية، بل تلخيص لتجارب إنسانية متكررة، حيث يظن الظالم أن قوته تمنحه حصانة دائمة، بينما تثبت الأيام أن دوام الحال من المحال، وأن منطق القوة المجردة لا يكفل النصر إلى الأبد.

ولعل من أبلغ ما ورد في القرآن الكريم دعاء نبي الله نوح عليه السلام: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، وهي كلمات قليلة في عددها، عظيمة في معناها، تذكّر المؤمن بأن اللجوء إلى الله في الشدائد من أعظم أسباب الثبات والأمل.

وعندما نتأمل صفحات التاريخ أو حتى ميادين الرياضة، نجد أمثلة تؤكد أن التوقعات البشرية ليست قدرًا محتومًا. ففي عام 1974، دخل الملاكم الأسطوري محمد علي كلاي نزاله الشهير أمام جورج فورمان وسط توقعات واسعة ترجح كفة فورمان، الذي كان يُعرف بقوته البدنية الهائلة وسلسلة انتصاراته الكبيرة. لكن علي لم يعتمد على القوة وحدها، بل على الذكاء والخبرة والصبر وحسن إدارة النزال، ليحقق فوزًا أصبح من أشهر المفاجآت في تاريخ الملاكمة.

ولم تكن قصة ذلك النزال مجرد مباراة رياضية، بل تحولت إلى درس في أن الحسابات النظرية قد تخطئ، وأن الإنسان القادر على قراءة الواقع، وضبط أعصابه، والإيمان بنفسه، يستطيع تغيير المعادلة مهما بدت موازين القوى مختلة.

وهذا المعنى لا يقتصر على الرياضة، بل يمتد إلى حياة الأمم والشعوب. فكم من دول واجهت تحديات كبيرة واستطاعت تجاوزها بالإرادة والعمل والوحدة، وكم من قوى بدت في لحظة من اللحظات عصية على التغيير، ثم تبدلت أحوالها مع مرور الزمن.

ومن هنا، فإن العدالة ليست دائمًا انتصارًا سريعًا، لكنها تبقى قيمة تسعى إليها الشعوب وتتمسك بها، لأن الظلم مهما طال لا يمكن اعتباره أساسًا دائمًا للاستقرار أو النجاح.

واليوم، وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات وصراعات، يبقى الأمل قائمًا في أن تنتصر قيم الحق والعدل، وأن يكون الحوار والتعاون سبيلًا لتجاوز الخلافات، بعيدًا عن منطق الغلبة والقهر.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram