ما قل ودل

المؤامرة السياسية خلف أزمة الحدود…كيف أصبحت إسبانيا وموقفها الجريء في مرمى الاستهداف؟

شارك المقال

​شهدت الساحة الأوروبية والدولية في الفترة الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في حدة التوتر السياسي والإعلامي، لم يلبث أن تحول إلى أزمة دبلوماسية وإقليمية حادة تتجاوز بظاهرها ملف الهجرة غير الشرعية وتدفق المهاجرين عبر حدود سبتة.

​القراءة العميقة للحدث، وتوقيت تصاعد التوتر، وطبيعة الأطراف الداخلة على خط الأزمة، تشير بوضوح إلى أن إسبانيا ورئيس حكومتها بيدرو سانشيز يقفان في قلب مستنقع من الضغوط السياسية المدبرة، والتي تُستغل فيها ورقة الحدود كأداة للابتزاز والتركيع السياسي.

​لم تكن إسبانيا لتواجه هذا الشحن الإعلامي والسياسي من بعض القوى الدولية واليمين الأوروبي لولا التغيير الجذري والمبدئي في سياستها الخارجية، وتحديدا ،اتخاذ مدريد لمواقف حازمة ودولية غير مسبوقة ضد السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، ودعم الحقوق الفلسطينية بوضوح واعترافها بالدولة الفلسطينية، محاولة إسبانيا التغريد خارج سرب التبعية الكاملة للسياسات الخارجية المغذية للحروب، وهو ما أزعج دوائر صنع القرار في تل أبيب وبعض العواصم الغربية الحليفة لها.

​أبرز مؤشرات “التدبير” والعمل المنظم ضد مدريد تجلّى في التدخل المفاجئ والمريب للمندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة، ومحاولته إقحام ملف سبتة و”الدفاع عن الحقوق المغربية”.

هذا الدفاع الإسرائيلي المستجد لا ينبع من حرصٍ على المغرب أو شعبه، بل هو مناورة دبلوماسية مكشوفة (“ضربة تحت الحزام”) تهدف إلى ​معاقبة حكومة بيدرو سانشيز على موقفها الإنساني والمبدئي من القضية الفلسطينية، إحداث شرخ وإحراج في العلاقات الثنائية بين مدريد والرباط، و​استخدام الملف كأداة ضغط جيوسياسية لإشغال إسبانيا بأزماتها الداخلية والإقليمية.

​على الجانب الأوروبي، سارعت القوى اليمينية المتطرفة – وعلى رأسها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني – إلى استغلال الملف الحدودي لتصفية حسابات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي و استغلال حادثة تدفق المهاجرين للتشكيك في قدرة الحكومة الإسبانية اليسارية على حماية حدود الاتحاد، وهو طرح لا يستند لآليات القانون الأوروبي بقدر ما يستند للمناكفة السياسية.

رّد مدريد واستدعاؤها للسفير الإيطالي يؤكد أن الأزمة تجاوزت إدارة الحدود إلى محاولة علنية لإضعاف حكومة سانشيز من الداخل والخارج لفرملة توجهاتها السياسية والاجتماعية.

​إن الدفع بالملف الإنساني وتدفق المهاجرين إلى الواجهة في هذا التوقيت بالذات يسّلط الضوء على استغلال آلام الشعوب ورغبتها في العيش الكريم وتحويلها إلى أوراق لعب على طاولة الشطرنج السياسية.

فالهدف النهائي ليس حل مشكلة الهجرة، بل إحداث أزمة صحية وأمنية وسياسية داخل المدن الإسبانية تطيح بشعبية الحكومة الحالية, لذا  فإن ما تشهده الساحة حالياً ليس مجرد “أزمة حدود عابرة”، بل هو مخطط متعدد الأطراف تستغل فيه الثغرات الإقليمية للضغط على إسبانيا وبيدرو سانشيز، ودفع مدريد للتراجع عن مواقفها الأخلاقية والسياسية الجريئة على الساحة الدولية.

​ويبقى الرهان اليوم على وعي الشعوب وتماسك المؤسسات الإسبانية لمواجهة هذه الابتزازات السياسية وعدم الانجرار خلف مخططات تفكيك المنطقة وتأجير أزماتها لصالح أجندات خارجية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram