تفيد الرواية التاريخية المستقاة من مذكرات رئيس الوزراء البريطاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر “ويليام إيوارت كلادستون”، بأن المعني حاول إقناع الأمير عبد القادر بتولي منصب “إمبراطور العرب” مقابل توظيفه في مواجهة الدولة العثمانية، مع تقديم وعود مغرية، من بينها استقلال الجزائر وخروج الاحتلال الفرنسي، غير أن الأمير – بحسب الرواية – رفض جميع الإغراءات، مؤكداً أن الجزائر ستنال استقلالها بشخصه أو بدونه بإرادة أبنائها، لا بمنحة من قوة أجنبية.
و منذ تداول هذه الرواية التي عرفت رواجا في المراجع التاريخية، تبين أن انتشارها الواسع لم يكن بالأمر العشوائي، بل بالعكس فقد عّزز هذا الحدث شخصية الأمير عبد القادر المكانة الاستثنائية التي يحتلها في الذاكرة الوطنية الجزائرية والعربية. فالشخصيات التاريخية العظيمة كثيراً ما تحيط بها روايات تتجاوز الوقائع الموثقة، لأنها تتحول إلى رموز أخلاقية وسياسية تعبّر عن تطلعات الشعوب أكثر مما تعبّر عن حدث تاريخي بعينه.
لقد أثبت الأمير عبد القادر، من خلال سيرته الموثقة، أنه لم يكن مجرد قائد عسكري واجه الاحتلال الفرنسي بالسلاح، بل كان رجل دولة يمتلك رؤية سياسية متقدمة، استطاع أن يؤسس مؤسسات إدارية وعسكرية وقضائية في ظروف بالغة التعقيد، وأن يحافظ على استقلالية قراره السياسي رغم الضغوط الدولية والإقليمية التي أحاطت بتجربته.
وتؤكد الوثائق التاريخية أن الأمير تعامل مع القوى الدولية بمنطق المصلحة الوطنية لا بمنطق الارتهان. فقد دخل في مفاوضات، وأبرم معاهدات، وخاض حروباً، لكنه ظل يعتبر أن قرار المقاومة يجب أن يبقى جزائرياً مستقلاً، وهو ما جعل شخصيته تحظى باحترام حتى لدى كثير من خصومه في أوروبا.
ومن هذا المنطلق، تبدو الرواية المتداولة مع السير “ويليام إيوارت كلادستون” منسجمة مع الصورة العامة التي رسمها التاريخ للأمير عبد القادر؛ صورة القائد الذي كان يرفض أن تتحول قضيته الوطنية إلى ورقة في صراعات القوى الكبرى. فالرجل لم يكن يبحث عن سلطة شخصية أو لقب سياسي، بقدر ما كان يسعى إلى الحفاظ على كرامة وطنه واستقلال قراره.
كما تعكس هذه الرواية، في بعدها الرمزي، حقيقة تاريخية لا خلاف حولها، وهي أن الاستعمار الأوروبي كان ينظر إلى المنطقة العربية والإسلامية باعتبارها ساحة تنافس نفوذ، وكانت القوى الكبرى تسعى إلى استثمار الانقسامات الداخلية لخدمة مصالحها. وفي مثل هذا السياق، يصبح الحفاظ على استقلال القرار الوطني أحد أهم عناصر المقاومة، سواء في القرن التاسع عشر أو في عالم اليوم.
إن القيمة الحقيقية للأمير عبد القادر لا تكمن في الروايات المنسوبة إليه، وإنما في الوقائع الثابتة التي سجلها التاريخ. فقد شهد له خصومه قبل أنصاره بالشجاعة والنزاهة واحترام المواثيق، كما خلد اسمه عالمياً بعد موقفه الإنساني في حماية آلاف المسيحيين في دمشق سنة 1860، وهو الموقف الذي جعله رمزاً عالمياً للتسامح والإنسانية.
ولهذا، فإن الدفاع عن مكانة الأمير عبد القادر لا يحتاج إلى استيعاب روايات تاريخية ، مهما كانت جاذبيتها، لأن سيرته الحقيقية تزخر بما يكفي من المواقف والإنجازات التي جعلته أحد أبرز رجال الدولة في التاريخ الحديث، وأحد أهم رموز المقاومة الجزائرية.