ما قل ودل

من اجتماع افتراضي إلى حرب شاملة…الاستخبارات الغربية تستشرف نوايا روسيا اتجاه أوكرانيا

شارك المقال

في عالم الاستخبارات لا تُحسم الحروب بالرصاصة الأولى، بل تبدأ غالبًا داخل غرف مغلقة وشاشات حواسيب تعرض صور الأقمار الصناعية وتقارير العملاء وتحليلات الخبراء. وفي ربيع عام 2021، أي قبل أشهر طويلة من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، كانت العواصم الغربية تعيش واحدة من أهم لحظات التقدير الاستخباراتي التي ستحدد لاحقًا مسار الصراع الأوروبي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.

ففي إحدى أمسيات شهر مارس من ذلك العام، عقدت بريطانيا اجتماعًا طارئًا عبر تقنية الاتصال المرئي مع حليفها الأمريكي، بعدما أثار حشد أكثر من مائة ألف جندي روسي على الحدود الأوكرانية حالة من القلق داخل المؤسسات العسكرية البريطانية. ولم يكن الهدف من الاجتماع تبادل المعلومات فحسب، بل محاولة الإجابة عن سؤال واحد: هل تستعد موسكو لغزو أوكرانيا أم أنها تمارس مجرد ضغط سياسي وعسكري؟

داخل الاجتماع انقسمت التقديرات. فقد رأى أحد المحللين العسكريين البريطانيين أن حجم القوات المنتشرة، وطبيعة المعدات، والاستعدادات اللوجستية تشير إلى أن روسيا تتهيأ لعملية عسكرية واسعة النطاق، بينما اعتبر محللون آخرون، مدعومون بتقديرات أمريكية، أن ما يجري ليس أكثر من استعراض للقوة ورسالة ردع موجهة إلى كييف وحلف شمال الأطلسي.

وبدا أن الرأي الثاني هو الأقرب إلى الواقع عندما بدأت موسكو بعد أسابيع بسحب جزء من قواتها، الأمر الذي عزز الاعتقاد بأن الأزمة انتهت دون مواجهة عسكرية. غير أن ما حدث لاحقًا أثبت أن تلك التحركات لم تكن سوى مرحلة أولى من خطة أكثر تعقيدًا، إذ عادت القوات الروسية بأعداد أكبر، وانطلقت الحرب الشاملة في فيفري 2022.

ويكشف جون فورمان، الذي كان يشغل آنذاك منصب الملحق العسكري البريطاني في موسكو، أن ذلك الاجتماع كان نقطة تحول مهمة داخل أجهزة الاستخبارات الغربية، لأنه دفعها إلى إعادة توجيه جهودها نحو جمع معلومات أكثر دقة حول التحركات الروسية، وهو ما منحها وقتًا إضافيًا لمراقبة الاستعدادات العسكرية وفهم طبيعة التهديد القادم.

وتبرز هذه الواقعة أهمية الاستخبارات الحديثة التي لم تعد تعتمد فقط على العملاء السريين، بل أصبحت تستند إلى منظومة متكاملة تشمل الأقمار الصناعية، واعتراض الاتصالات، وتحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والاستطلاع الإلكتروني. فالحرب اليوم تُقرأ من خلال حركة القطارات العسكرية، واستهلاك الوقود، وإنشاء المستشفيات الميدانية، وحتى صور الهواتف المحمولة التي يلتقطها المدنيون.

كما تكشف الحادثة أن التحدي الأكبر أمام أجهزة الاستخبارات ليس جمع المعلومات، وإنما تفسيرها بصورة صحيحة. فكثيرًا ما تكون المعطيات متوافرة، لكن الاختلاف يكمن في كيفية قراءتها وتحليلها، وهو ما يفسر تباين المواقف داخل الاجتماع البريطاني الأمريكي، رغم اعتماد الجميع على مصادر معلومات متقاربة.

وأثبتت الحرب الروسية الأوكرانية أن الخطأ في تقدير النوايا قد يكون أخطر من الخطأ في تقدير القدرات. فامتلاك جيش ضخم لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار الحرب، لكن تجاهل المؤشرات المتراكمة قد يؤدي إلى مفاجآت استراتيجية باهظة الثمن.

لقد أعادت هذه التجربة رسم مكانة الاستخبارات في إدارة الأزمات الدولية، ورسخت قناعة لدى الدول الكبرى بأن الحروب الحديثة لا تبدأ بإطلاق النار، بل تبدأ بتحليل الإشارات الضعيفة قبل أن تتحول إلى وقائع على الأرض. وفي عالم تتزايد فيه الصراعات الجيوسياسية، أصبح امتلاك المعلومات الدقيقة، والقدرة على تحليلها في الوقت المناسب، أحد أهم عناصر الأمن القومي وصناعة القرار السياسي والعسكري.

المصدر: الوكالات

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram