في كل عام، لا يمثل اليوم الوطني للجيش مناسبة بروتوكولية لإحياء ذكرى تاريخية فحسب، بل يشكل محطة وطنية تستدعي استحضار مسيرة طويلة من التضحيات التي صنعت الدولة الجزائرية، ورسّخت عقيدة عسكرية استمدت مشروعيتها من ثورة التحرير المجيدة، وجعلت من الدفاع عن الوطن مبدأ لا يقبل المساومة.
فالجيش الوطني الشعبي، وريث جيش التحرير الوطني، لم يولد داخل الثكنات العسكرية، وإنما ولد في جبال الأوراس، وأودية القبائل، وسهول الغرب والشرق، و الأراضي الصحراوية, حيث امتزجت البندقية بالإرادة، وتحولت المقاومة إلى مشروع دولة. ولذلك، ظل هذا الجيش يحمل خصوصية تميزه عن كثير من الجيوش، باعتباره امتدادًا لجيش صنع الاستقلال قبل أن يتولى مهمة حمايته.
واليوم، وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي يعرفها العالم، تزداد أهمية المؤسسة العسكرية باعتبارها إحدى ركائز الدولة الوطنية. فالعالم يعيش مرحلة تتداخل فيها الأزمات الأمنية مع الصراعات الاقتصادية، والحروب التقليدية مع الحروب السيبرانية، والضغوط الدبلوماسية مع حملات التضليل الإعلامي، الأمر الذي يجعل مفهوم الدفاع الوطني أكثر شمولًا من أي وقت مضى.
لقد أثبتت التجارب الإقليمية خلال السنوات الأخيرة أن الدول لا تنهار دائمًا بفعل الحروب الخارجية، بل قد تنهار عندما تضعف مؤسساتها أو تتفكك وحدتها الداخلية. فالاستقرار أصبح يرتبط بقدرة الدولة على حماية مؤسساتها، وترسيخ الثقة بين المواطن ومختلف أجهزة الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب العلاقة بين الجيش والمجتمع بعدًا استراتيجيًا، لأنها تقوم على مسؤولية مشتركة في حماية الوطن والمحافظة على استقراره. فالجيش يؤدي مهامه الدستورية في حماية الحدود والسيادة الوطنية، بينما يسهم المواطن في تعزيز الجبهة الداخلية، واحترام القانون، والمحافظة على الوحدة الوطنية، والتصدي للإشاعات وخطابات الكراهية التي تستهدف تماسك المجتمع.
كما أن الاحتفال باليوم الوطني للجيش يمثل مناسبة لاستحضار حجم التطور الذي عرفته المؤسسة العسكرية الجزائرية خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى التكوين، أو التحديث، أو تطوير القدرات العملياتية والتكنولوجية، بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية الجديدة. فالدفاع عن الأوطان لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل أصبح يرتكز أيضًا على المعرفة، والتكنولوجيا، والاستخبارات، والأمن السيبراني، والجاهزية لمواجهة مختلف التهديدات العابرة للحدود.
وفي السياق ذاته، يبرز الدور الإنساني للمؤسسة العسكرية، التي لم يقتصر حضورها على المهام الدفاعية، بل امتد إلى التدخل في الكوارث الطبيعية، وعمليات الإنقاذ والإغاثة، والمشاركة في جهود التنمية وفك العزلة عن المناطق النائية، وهو ما عزز مكانتها في الوعي الجماعي باعتبارها مؤسسة وطنية تعمل في خدمة المواطن والوطن.
إن الاحتفاء بالجيش الوطني الشعبي هو في جوهره احتفاء بقيم الوفاء والانضباط والتضحية والمسؤولية، وهي القيم التي شكلت أساس ثورة التحرير، ولا تزال تمثل أحد أهم عناصر قوة الدولة الجزائرية.
وفي عالم سريع التحول، تبقى قوة الجزائر مرتبطة بصلابة مؤسساتها، وتماسك مجتمعها، ووحدة شعبها، وقدرته على تحويل ذاكرة الثورة إلى طاقة للمستقبل، وإلى وعي جماعي يحافظ على المكتسبات الوطنية ويواجه التحديات بعقلانية وثقة.
وفي اليوم الوطني للجيش، تجدد الجزائر وفاءها لرجال صنعوا الاستقلال، ولأجيال تواصل اليوم حمل الأمانة، إيمانًا بأن حماية الوطن مسؤولية جماعية، وأن الدولة القوية لا تُبنى بالسلاح وحده، بل تُبنى أيضًا بوحدة شعبها، ووعي مواطنيها، واحترام مؤسساتها، والعمل المشترك من أجل مستقبل آمن ومستقر يليق بتضحيات الشهداء ورسالة نوفمبر الخالدة.