بتاريخ الثاني من شهر أوت تمر الذكرى السادسة لرحيل المجاهد والرياضي الكبير سعيد عمارة، أحد أبرز رجالات منتخب جبهة التحرير الوطني، لتعيد إلى الأذهان سيرة رجل لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان مناضلًا حمل القضية الجزائرية إلى الملاعب الدولية، وأسهم بعد الاستقلال في بناء أسس الكرة الجزائرية الحديثة، لاعبًا ومدربًا ومكوّنًا ومسيرًا.
ولد الفقيد يوم 11 مارس 1933 بمدينة سعيدة، حيث بدأ أولى خطواته في عالم كرة القدم مع مولودية سعيدة، قبل أن ينتقل إلى اتحاد بلعباس، ليفتح بعدها صفحة احترافية في فرنسا مع ناديي ستراسبورغ وبوردو خلال خمسينيات القرن الماضي. غير أن نجاحه الرياضي لم يكن يومًا أهم من انتمائه الوطني، فمع اندلاع الثورة التحريرية استجاب لنداء الوطن، وترك الملاعب الفرنسية لينضم إلى منتخب جبهة التحرير الوطني، الذي تحول إلى سفير سياسي ورياضي للثورة الجزائرية عبر مختلف أنحاء العالم.
لقد كان منتخب جبهة التحرير أكثر من فريق لكرة القدم؛ كان جبهة نضال موازية حملت صوت الجزائر إلى المحافل الدولية، وأثبتت أن الرياضة يمكن أن تكون سلاحًا دبلوماسيًا في معركة التحرر. وكان سعيد عمارة أحد الرجال الذين آمنوا بأن الدفاع عن ألوان الجزائر أهم من أي مجد شخصي أو احتراف رياضي.
وبعد استرجاع الاستقلال، لم يغادر الرجل الميدان، بل انتقل من دور اللاعب إلى دور الباني. فقد كرّس أكثر من ربع قرن لخدمة الكرة الجزائرية، حيث شغل منصب مدرب وطني بين سنتي 1973 و1999، كما تولى منصب المدير الوطني للمنتخبات الوطنية في فترتين مختلفتين، إلى جانب إشرافه على التكوين في سبعينيات القرن الماضي، واضعًا خبرته في خدمة الأجيال الجديدة.
ولم يتوقف عطاؤه عند حدود التدريب، بل تقلد أيضًا مناصب قيادية داخل الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، حيث شغل منصب نائب رئيس الاتحادية سنة 1994، قبل أن يتولى رئاسة الفاف بين عامي 1995 و1996، في مرحلة كانت الكرة الجزائرية تبحث فيها عن الاستقرار وإعادة البناء.
كما ترك بصمة بارزة في مجال التكوين، إذ كان أستاذًا معتمدًا لدى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف)، وأسهم في تكوين مئات المدربين الجزائريين والأفارقة، وهو إرث لا يزال أثره حاضرًا في الملاعب ومراكز التكوين إلى اليوم.
وعلى مستوى الأندية، ارتبط اسم سعيد عمارة بعدة تجارب ناجحة، من بينها مولودية سعيدة، وشبيبة تيارت، ومولودية وهران، غير أن أبرز إنجازاته التدريبية يبقى قيادته لغالي معسكر إلى التتويج التاريخي بلقب البطولة الوطنية موسم 1983-1984، في واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخ النادي تحت لواء الرئيس المخضرم برحال بن عومر.
لقد جمع سعيد عمارة بين صفات المجاهد، والرياضي، والمربي، والإداري، وظل طوال مسيرته نموذجًا في الانضباط والإخلاص والتواضع. لم يكن يبحث عن الأضواء، بل كان يؤمن بأن خدمة الجزائر شرف يستحق كل التضحيات.
وفي 2 أوت 2020، فقدت الجزائر أحد رجالاتها الأوفياء، لكن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة الرياضيين والمجاهدين وكل من عرف قيمة الرجال الذين صنعوا مجد الوطن داخل الميدان وخارجه.
إن استحضار ذكرى سعيد عمارة ليس مجرد وقفة وفاء لرجل رحل، بل هو استذكار لمرحلة كان فيها الرياضيون جنودًا في معركة التحرير، ثم بناةً للدولة بعد الاستقلال. وسيظل اسمه محفورًا في سجل الخالدين، بوصفه أحد أعمدة منتخب جبهة التحرير الوطني، وأحد الآباء المؤسسين للكرة الجزائرية الحديثة، ورمزًا من رموز الوطنية التي جعلت من الرياضة رسالة في خدمة الوطن قبل أن تكون منافسة على الألقاب.