ما قل ودل

من حق أبنائنا أن يتعلموا كل اللغات

شارك المقال

بقلم الأستاذ العربي بوعمامة -جامعة مستغانم-

كلما طرح ملف إصلاح التعليم، عاد الجدل نفسه: هذه اللغة أم تلك؟ زيادة الحجم الساعي أم تقليصه؟ وكأن مستقبل المدرسة الجزائرية يتوقف على صراع اللغات، لا على جودة التعليم، ولا على بناء الإنسان، ولا على إعداد أجيال قادرة على صناعة المستقبل.

لقد استنزفنا سنوات طويلة في نقاشات عقيمة، حوّلنا فيها اللغة من وسيلة للمعرفة إلى موضوع للانقسام، وربطناها بالهوية تارة، وبالسياسة تارة أخرى، وبالاستقطاب الإيديولوجي تارة ثالثة. والنتيجة أن أبناءنا هم من يدفعون الثمن، بينما يواصل العالم تقدمه بوتيرة متسارعة.

من حق هذا الجيل أن يعيش زمنه، وأن يمتلك أدوات عصره، لا أن يرث خلافات لم يصنعها. وليس من حقنا أن نفرض عليه تصوراتنا، أو أن نجعله أسيرًا لنقاشات الماضي. فالأجيال الجديدة لا تبحث إلا عن تعليم جيد، ومعرفة مفيدة ، ومهارات تفتح لها آفاق الدراسة والعمل والإبداع.

الحقيقة التي ينبغي أن نستوعبها هي أن اللغة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للوصول إلى المعرفة. وكل لغة يتقنها الطالب تفتح أمامه بابًا جديدًا للعلم، والبحث، والتواصل مع العالم. فكيف نطالب خريجًا بالمنافسة في فضاء عالمي إذا ضيقنا عليه أدوات المعرفة؟ وكيف نطمح إلى مؤسسة منتجة للبحث العلمي إذا حصرنا طلبتها في دائرة لغوية ضيقة؟.

دعوا أبناءنا يتقنون العربية، فهي اللغة الوطنية والرسمية، ولغة حضارة وعلم وثقافة، ويتقنون الأمازيغية، فهي أيضًا لغة وطنية ورسمية، ومكوّن أصيل من مكونات الهوية الوطنية، إلى جانب تعلم اللغات العالمية التي تفتح لهم آفاق المعرفة والبحث والابتكار. ويتعلمون الفرنسية والإنجليزية وغيرها من اللغات العالمية، لأنها مفاتيح للعلوم والتكنولوجيا والابتكار والتواصل. فالأمم الواثقة من نفسها لا تخشى تعدد اللغات، بل تجعل منها مصدر قوة وإضافة.

كفى اختزالًا لمشكلات التعليم في الجدل اللغوي. فالمعركة الحقيقية ليست بين لغة وأخرى، بل بين تعليم يصنع الكفاءات وتعليم يكتفي بإعادة إنتاج الأزمات. المطلوب اليوم هو مدرسة تفتح أبواب المستقبل، لا مدرسة تبقى أسيرة نقاشات تجاوزها الزمن.
من حق أبنائنا أن يتعلموا كل اللغات، وأن ينفتحوا على مختلف الثقافات، وأن ينافسوا في الجامعات ومراكز البحث والأسواق العالمية. وفي الوقت نفسه، من واجبنا أن نغرس فيهم حب الوطن، والاعتزاز بتاريخ الجزائر، والوفاء لقيمها. فإتقان لغات العالم لا ينتقص من الهوية، بل يمنح أبناء الوطن قدرة أكبر على خدمته والدفاع عن مصالحه. فالجزائر تحتاج إلى عقول تتحدث بلغات متعددة، لكنها تنبض بقلب جزائري واحد.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram