ما قل ودل

حين فشل الإرهاب في مبتغاه…”خطاب الكراهية” الوجه الجديد لاستهداف الجزائر

شارك المقال

ليست الكراهية من المفردات التي تشكلت داخل الوجدان الجزائري، ولا هي من القيم التي تربى عليها المجتمع عبر تاريخه الطويل. فمن يتتبع المسار الحضاري للجزائر، منذ العصور الإسلامية إلى الدولة الحديثة، يلاحظ أن المجتمع الجزائري تأسس على قيم التعايش والتكافل وحسن الجوار واحترام الإنسان، مهما كان أصله أو معتقده. لذلك فإن كل محاولات إدخال خطاب الكراهية إلى النسيج الوطني تبدو غريبة عن الشخصية الجزائرية، لأنها لا تنبع من البيئة الاجتماعية المحلية، بل تأتي غالبا في سياقات الأزمات ومحاولات زعزعة الاستقرار.

لقد شكلت سنوات المأساة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي الاستثناء الأخطر في التاريخ الجزائري المعاصر، حين حاول الإرهاب تحويل المجتمع إلى ساحة للصراع والكراهية والعنف. وخلال تلك المرحلة دفعت الجزائر ثمنا باهظا من أرواح أبنائها، وترّملت آلاف النساء، ويتّم الأطفال، وعاشت عائلات بأكملها مآسي لا تزال آثارها النفسية والاجتماعية حاضرة إلى اليوم. ورغم فداحة الجراح، تمكنت الجزائر من استعادة أمنها واستقرارها بفضل وعي شعبها و تاحمه مع جيشه، وتماسك مؤسساتها، وإرادة وطنية جامعة رفضت الانجرار إلى مشروع التفكيك.

وقد أثبتت التجربة الجزائرية أن الإرهاب لا يقتصر على حمل السلاح، بل يبدأ أحيانا بالكلمة المحّرضة، والخطاب الإقصائي، وبث الشكوك بين أبناء الوطن الواحد. ولهذا فإن خطاب الكراهية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجّرد اختلاف في الرأي أو تعبيرا عن غضب عابر، بل قد يتحول إلى أداة تستهدف ضرب الثقة داخل المجتمع وإضعاف وحدته إذا ترك دون مواجهة ثقافية وتربوية وقانونية.

إن المتابع لما يجري في الفضاء الرقمي اليوم يلاحظ أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت مجالا خصبا لمحاولات نشر الاستقطاب، وتأجيج النعرات، وصناعة الانقسامات على أسس جهوية أو لغوية أو فكرية أو حتى في المجال الرياضي. وهي أساليب تعتمدها جهات مختلفة لإضعاف المجتمعات من الداخل، بعدما أثبتت التجارب أن استهداف الجبهة الداخلية أقل كلفة وأكثر تأثيرا من المواجهات المباشرة.

غير أن التاريخ الجزائري يقّدم صورة مغايرة تماما لهذا الخطاب. فالجزائر كانت عبر قرون أرض استقبال واحتضان لكل من قصدها طالبا للأمن والاستقرار. ويشهد التاريخ بأن اليهود السفرديم الذين فروا من محاكم التفتيش في شبه الجزيرة الإيبيرية وجدوا في مدن الجزائر ملاذا آمنا، حيث استقروا ومارسوا تجارتهم وحياتهم الاجتماعية في كنف الحماية والاحترام اقتداءا بسنة نبينا صلى الله عليه و سلم الذي أمرنا بعدم أذّية الذّمي و هو الذي يرى بأنه فعل ذلك كمن آذاه شخصيا، في وقت كانت فيه أوروبا تعيش واحدة من أكثر مراحلها قسوة تجاه الأقليات الدينية من خلال دموية محاكم التفتيش.

كما عرفت مدن جزائرية عديدة، وفي مقدمتها وهران، نماذج رائدة في التعايش والانفتاح. فقد ارتبط اسم الباي محمد بن عثمان الكبير بإعادة إعمار المدينة بعد تحريرها، وتشجيع الاستقرار والتنمية، واستقبال مختلف الفئات التي ساهمت في نهضتها الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعكس فهما حضاريا للدولة يقوم على البناء لا على الإقصاء.

ولم يكن هذا السلوك استثناء تاريخيا، بل امتد إلى استقبال كثير من الفارّين من ويلات الحرب الأهلية الإسبانية خلال ثلاثينيات القرن العشرين، حيث وجد عدد منهم في الجزائر ملاذا إنسانيا يخفف عنهم مآسي الحرب، في مشهد يجّسد عمق القيم الإنسانية التي ميزت المجتمع الجزائري.

إن سّر هذه الروح المتسامحة لم يكن وليد الصدفة، وإنما تشكل عبر قرون من المرجعية الدينية الوسطية التي قامت على العقيدة الأشعرية، والفقه المالكي، والتربية السلوكية المستمدة من مدرسة الإمام الجنيد، وهي المرجعية التي أسهمت في بناء شخصية جزائرية تميل إلى الاعتدال، وترفض الغلو والتكفير والإقصاء، وتعتبر الاختلاف سنة من سنن الحياة لا سببا للعداوة.

ومن هنا، فإن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون فقط عبر النصوص القانونية، وإنما تبدأ من المدرسة، والمسجد، والجامعة، والأسرة، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي. فكل مؤسسة مطالبة اليوم بالمساهمة في ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، وتعزيز الانتماء الوطني، حتى لا يجد دعاة الفتنة منفذا إلى عقول الشباب.

لقد أثبت الجزائريون في أكثر من محطة تاريخية أن وحدتهم الوطنية كانت دائما السلاح الأقوى في مواجهة المؤامرات، وأن محاولات زرع الفتنة سرعان ما تتحطم أمام وعي المجتمع وتمسكه بثوابته. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه الوطن اليوم ليس الاختلاف في الآراء، وإنما تحويل هذا الاختلاف إلى كراهية منظمة تستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي.

إن الجزائر التي انتصرت على الاستعمار، وتجاوزت محنة الإرهاب، قادرة كذلك على الانتصار في معركة الوعي، شريطة أن يدرك الجميع أن الكلمة قد تكون سلاحا للبناء كما قد تكون معولا للهدم. فالمستقبل لا يصنعه خطاب الإقصاء، وإنما تبنيه ثقافة التسامح، واحترام التنوع، والالتفاف حول الوطن باعتباره الجامع الأكبر لكل أبنائه، وهي القيم التي ظلت على مر التاريخ جزءا أصيلا من الشخصية الجزائرية، وستبقى الحصن الحقيقي في وجه كل محاولات بث الكراهية وتقويض الاستقرار.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram