ما قل ودل

أول من جعل الاستقلال مطلبًا سياسيًا…”مصالي الحاج” الأب الروحي للحركة الوطنية

شارك المقال

يُعدّ مصالي الحاج واحدًا من أبرز الشخصيات التي صنعت الوعي الوطني الجزائري في النصف الأول من القرن العشرين، حتى لُقّب بـ”أب الوطنية الجزائرية الحديثة”. فقد كان أول زعيم سياسي يرفع مطلب الاستقلال الكامل للجزائر في وقت كانت غالبية النخب لا تزال تطالب بالإصلاحات أو المساواة مع الفرنسيين، ليؤسس بذلك مرحلة جديدة في تاريخ النضال الوطني ستفضي لاحقًا إلى اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954.

من تلمسان إلى باريس…بداية الوعي السياسي

وُلد مصالي الحاج سنة 1898 بمدينة تلمسان، ونشأ في بيئة شعبية محافظة، قبل أن يسافر إلى فرنسا بحثًا عن العمل، شأنه شأن آلاف الجزائريين الذين فرض عليهم الاستعمار الهجرة لكسب قوتهم.

وفي فرنسا، لم يكتف بالعمل، بل انخرط في الأوساط السياسية والنقابية، وهناك تشكل وعيه الوطني، بعدما لمس حجم التمييز الذي كان يعانيه الجزائريون داخل الوطن وخارجه.

في سنة 1926 تولى مصالي الحاج قيادة نجم شمال إفريقيا، وهو أول تنظيم سياسي جزائري يرفع صراحة شعار استقلال الجزائر، في وقت كانت فيه المطالب السياسية السائدة تقتصر على تحسين أوضاع الأهالي داخل المنظومة الاستعمارية.

وكان هذا التحول ثورة فكرية وسياسية حقيقية، إذ نقل الحركة الوطنية من مرحلة المطالبة بالحقوق إلى مرحلة المطالبة بالسيادة الوطنية.

خطاب الثاني أوت 1936…لحظة مفصلية

يُعد خطاب 2 أوت 1936 بالملعب البلدي في الجزائر العاصمة من أشهر المحطات في تاريخ الحركة الوطنية.

أمام آلاف الجزائريين، أعلن مصالي الحاج موقفًا واضحًا من مستقبل البلاد، رافضًا كل المشاريع التي كانت تسعى إلى دمج الجزائر داخل فرنسا، ومؤكدًا أن الشعب الجزائري يستحق وطنًا مستقلًا.

ويروى أنه انحنى أثناء الخطاب، وحمل حفنة من تراب الجزائر قائلاً:

“هذه أرضنا المباركة… ليست للبيع ولا للرهن، هذه الأرض ورثناها عن آبائنا وسنورثها لأبنائنا.”

وقد أصبحت هذه الكلمات رمزًا للتشبث بالسيادة الوطنية، وظلت تتردد في الذاكرة الجماعية للحركة الوطنية.

بعد حل نجم شمال إفريقيا من طرف السلطات الاستعمارية، أسس مصالي الحاج سنة 1937 حزب الشعب الجزائري (PPA)، الذي تحول إلى أكبر تنظيم سياسي شعبي في الجزائر.

اعتمد الحزب على العمل الميداني والتنظيم السري، واستطاع تعبئة عشرات الآلاف من الجزائريين حول فكرة الاستقلال، كما أنشأ شبكة واسعة من المناضلين الذين سيصبح كثير منهم لاحقًا من قادة الثورة التحريرية.

من المنظمة الخاصة إلى الثورة

ساهمت المدرسة السياسية التي أسسها مصالي الحاج في تكوين جيل كامل من المناضلين.

فقد خرج من رحم حزب الشعب ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية (MTLD) العديد من الشخصيات التي ستقود الكفاح المسلح، كما تأسست المنظمة الخاصة سنة 1947 لتكون النواة العسكرية الأولى التي مهّدت لاندلاع ثورة التحرير.

ولهذا يرى عدد كبير من المؤرخين أن ثورة نوفمبر لم تولد من فراغ، وإنما جاءت امتدادًا لمسار طويل من النضال السياسي والتنظيمي الذي انطلق منذ عشرينيات القرن الماضي.

شخصية محورية في تاريخ الجزائر المعاصر

يبقى مصالي الحاج شخصية محورية في تاريخ الجزائر المعاصر، سواء اتُّفق مع مواقفه السياسية اللاحقة أم اختلف معها. فقد أسهم في نقل القضية الجزائرية إلى المحافل الدولية، ورسّخ فكرة الاستقلال الكامل، وأسّس تنظيمات سياسية خرّجت جيلاً من المناضلين الذين حملوا المشعل حتى استعادة السيادة الوطنية.

إن قراءة تاريخ الحركة الوطنية بموضوعية تقتضي الاعتراف بأن استقلال الجزائر كان ثمرة جهود أجيال متعددة من القادة والمناضلين، لكل منهم إسهامه في بناء المشروع الوطني. ويظل مصالي الحاج أحد أبرز هؤلاء الرواد الذين مهدوا الطريق لثورة التحرير، واستحقوا مكانة راسخة في الذاكرة التاريخية الجزائرية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram