بقلم الأستاذ عبد القادر بوعرفة
حدثنا سُؤَيْلُ بنُ السائلِ فقال: شغلني سؤالٌ أَرَقُّ من الهَجيرِ، وأطارَ نومي طيرانَ الطُّيورِ، سؤالٌ يَلِجُّ على الخاطرِ، و يَمُضُّ فؤادَ الحائرِ: ما أصلُ هذا الوجودِ؟ ومِن أينَ جاءتْ هذهِ الكائناتُ؟ وإلى أيِّ غايةٍ تسير هاته المخلوقات؟.
فصرتُ أجمعُ الواحدَ إلى الواحدِ، فإذا الكثرةُ تتنازعُ ولا تنتظمُ، وكلَّما ازددتُ جمعًا ازددتُ تفريقًا، وكلَّما ازددتُ حيرةً ازددتُ تحريقًا؛ حتى إذا أكلَ السُّهدُ جفوني، وأسهرَ الهمُّ عيوني، غلبني الكرى، وأخذَ مني ما أخذَ.
فإذا أنا في أرضِ المِيلِسيينَ، قد عبرتُ إليها بحرًا لُجِّيًّا، ونزلتُ على شاطئِها بَرًّا رَويًّا، وإذا بفتاةٍ تراقيةٍ، غضيضةِ الطَّرفِ، رشيقةِ القَدِّ، حسنةِ الحَدِّ، ورديَّةِ الخدِّ، واقفةٍ على فمِ بئرٍ عتيقةٍ، معمورةٍ عريقةٍ، وعلى حجرِها نقشٌ قديمٌ، وسطرٌ جسيمٌ: ” مَن أرادَ أن يعرفَ أصلَ كلِّ شيءٍ، فليَلج من بابِ الماءِ، أو ليعرج إلى دَرَجِ السماءِ”.
قلتُ: أيَّتها النبيلةُ، ما هذا الشِّعارُ؟ ومَن صاحبُ هذا الأثرِ؟ قالت: هذهِ بئرُ الحكيمِ الملطيِّ؛ يُلقي فيها سؤالاتِهِ، ويهوي فيها إلى غاياتِهِ؛ وإنَّ الرجلَ الذي تنتظرهُ – ولا أُبطئُكَ عنه – لأعجبُ ما أنجبتِ اليونانُ، وأغربُ ما صاحبَ الإنسانَ.
وإذا بشيخٍ قادمٍ من بعيدٍ، طويلِ الشَّبَحِ، نحيلِ العِظامِ، حَسيب العِظامِ، متغضِّنِ الجبينِ، يمشي مشي الحزين، لبس رداءً أَبيضَ اللّون، وفيهِ وقارٌ عريضُ البُون، وهو ماضٍ لا يلوي على شيءٍ، قد رفعَ بصرَهُ إلى السماءِ، وأغرقَ ناظرَيهِ في صفائِها، يرمقُ الشمسَ رَمقَ الصائِدِ، ويرصدُ الأفلاكَ رَصدَ العوائدِ، حتى لم يبصرْ الطريقَ الذي تحتَ قدمِهِ، ولا الحفرة التي أمامَهُ.
فصاحتِ الفتاةُ: يا شيخُ، دونَكَ الحفرةُ! فلم يُصغِ إليها ولم يلوِ على نداها، حتى زلَّت قدمُهُ، فالتوى وَركه، فوقعَ في الحفرة وقعةً ارتجَّ لها الجبلُ، وطارَتْ لها الشُّعَلُ. فضحكتِ الفتاةُ حتى بدتْ نواجذُها، وقالت – وهي تشيرُ إلى موضعِ السقوطِ -: ما أبرعَ فلاسفتَكم يا أهلَ اليونانِ! رجلٌ قد صعِدَ بنفسِهِ إلى الأفلاكِ، وشامَ ببصرِهِ ما فوقَ السِّمَاك، حتى ما يدرِي ما بينَ قدميهِ من ترابٍ؛ يريدُ أن يعرفَ ما في السماءِ، وهو لا يعرفُ ما تحتَ قدميهِ!.
فخرجَ الشيخُ من الحفرة يقطرُ ماءً، ولا ينوى هجاءً، فحين سمعَ مقالتَها، فضحكَ كضحكِها، وقال: أحسنتِ الضحكَ أيَّتها التراقيةُ، وأصبتِ الرَميَّ في السَّجيةِ؛ فإنَّكِ لم تضحكي من جَهلي، بل ضحكتِ من اشتغالي؛ فسقوطي في الحفرة ليسَ عن عمًى، بل عن شُغلٍ بما هو خيرٌ من الترابِ؛ ومن نسمات الهواء، فمَن كانَ على طريقِ الحقيقةِ، فوقُعهُ في الحفرةِ خيرٌ لهُ من قيامِهِ على الحضيضِ وهوَ نائمٌ عن الحقيقةِ.
قلتُ: أيها الشيخُ، أأنتَ طاليسُ الملطيُّ الذي زعموا أنَّ الماءَ عندَهُ أصلُ الأشياءِ؟ قال: هو ذاكَ يا أيها السائل؛ أنا الذي سألَ قبلَ السائلينَ، ووقَفَ على الطريقِ وقوفَ الحائرينَ؛ فسلْ عمَّا أحببتَ، ودَعْ ما رابكَ و سنكشف لك عنهُ الحجُبُ.
قلتُ: قرأتُ أنَّكَ جعلتَ الماءَ أصلَ الأشياءِ كلِّها؛ فكيف يكونُ الماءُ الهيِّنُ اليسيرُ، العذبُ النميرُ، أصلَ هذهِ الكائناتِ العظيمةِ؟ وإذا كانَ الأصلُ ماءً، فكيفَ صارَ الماءُ حجرًا صلدًا، ونارًا مستعرةً، وحيًّا ناطقًا مفكِّرًا؟.
قال: يا ابنَ السائلِ، إنَّ الماءَ أصدقُ الأشياءِ وأمينُها؛ ألم ترَهُ كيفَ يتبدَّلُ في صورتِهِ ويحتفظُ بجوهرِهِ؟ يجري فيَمُرُّ، ويسكنُ فيَقِرُّ، يصعدُ بخارًا فيكونُ سحابًا، وينزلُ قطرًا فيروي التِّلاعَ، ويُحي البٍقَاع، ثم يجمدُ فيكونُ جليدًا صلبًا، ثمَّ يذوبُ فيعودُ كما كانَ؛ وإذا كانَ الماءُ يلبسُ الألبسةَ كلَّها ولا يفارقُ حقيقتَهُ، كانَ أحقَّ الأشياءِ أن يكونَ الأصلَ الذي تنتهي إليهِ الأشياءُ كلُّها؛ وقالَ ربُّكُم – ولا قولَ فوقَ قولِهِ -: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
أفلا ترى الشجرةَ كيفَ نشأتْ من القطرةِ، والجنينَ كيفَ سبحَ في الماءِ قبلَ أن يصيرَ بشرًا سويًّا؟ قالتِ الفتاةُ، وهيَ تعبثُ بدلوِها: يا هذا، إنَّ الماءَ الذي نغترفُهُ لنصيرَ بهِ عجينًا، ونغسلُ بهِ أوانينا، ليكونُ أصلَ الأرواحِ والعقولِ؟ واللهِ إنَّ هذهِ لأسطورةٌ يرقصُ على وترِها السَّامِرونَ، ويعزفُ بها العازفونَ، ويتندر بها الهائمون !.
قال طاليس: أيَّتها الكَاعبُ، وأيّتها التَّاربُ، إنَّ ماءَكِ الذي تغترفينَ صورةٌ من الماءِ، وإنَّ الأصلَ الذي أقصدُهُ غايةٌ وراءَ الغايةِ؛ أنا لا أقولُ إنَّ الدلوَ الذي بينَ يديكِ هو الإلهُ، بل أقولُ: إنَّ وراءَ كلِّ صورةٍ مصدرًا، ووراءَ كلِّ متلوِّنٍ جوهرًا، ووراءَ الماءِ الحسِّيِّ ماءً معقولًا، يكونُ منهُ كلُّ ماءٍ مسكوبٍ؛ وإنَّ الحواسَّ لا تُدركُ إلا الأعراضَ، وإنَّ العقلَ وحدهُ يهتدي إلى الأصولِ؛ فمَن طلبَ الأصلَ بالحواسِّ أخطأَ الطريقَ، ومَن طلبهُ بالعقلِ كانَ صادقَ السيرِ وإنْ بَعُدَ عنهُ أمدٌ.
قلتُ: فما بالُكَ أيُّها الحكيمُ تنظرُ إلى السماءِ وتقعُ في حفرة أنتَ على شفتِها؟ أبغَضَ إليكَ الترابُ فأحببتَ السرابَ؟ ألا يكفيكَ أنَّكَ لا تبصرُ ما تحتَ قدمِكَ، حتى تدَّعيَ أنَّكَ تبصرُ ما فوقَ رأسِكَ؟ قال: واللهِ ما أصابَ مَن قالَ إنَّني أجهلُ ما تحتَ قدمي؛ إنَّني أعلمُ أنَّ الأرضَ التي تحتيَّ قائمةٌ على الماءِ، وأنَّ الماءَ إذا اضطربَ ارتجَّتِ الأرضُ ارتجاجَ السفينةِ في الأمواجِ؛ وإنَّني أعلمُ أنَّ الشمسَ في هذهِ الساعةِ ستُكسفُ، وأنَّ البدرَ سيلبسُ ثوبَ الدُّجى؛ فإذا أنا أبصرتُ ما تحتَ قدميَّ وأبصرتُ ما فوقَ رأسي، وتيقنت في ما في نفسي، فلما تُنكران عليَّ أن أُبصرَ السماءَ وأنا أبصرُ الأرضَ معًا؟.
فردت الحسناء: ومن أينَ لكَ ذلكَ؟ أأنتَ كاهنٌ يتلو كتابَ النجومِ؟ أم بروميثيوس يسرق العلوم؟ قال: لا، أنا رجلٌ حسبتُ الحسابَ، وشغلت لب الألباب، ورصدتُ الأفلاكَ، ورسمت الأوْرَاك، فإذا الحسابُ أصدقُ من الأحلامِ، وإذا العددُ يُنبئُ بما تُخفي الأيامُ، وتُنسي الأعْوَامُ.
وما تمَّ كلامُهُ حتى اصفرَّتِ الشمسُ، وأظلمَ الضوءُ، وارتدَّ الطيرُ إلى أوكارِهِ، وقامتِ الفتاةُ مذهولةً، وقد سقطَ الدلوُ من يدِها، والحجة من عقلها، وقالت: أيها الشيخُ، كنتُ أحسبُكَ رجلًا يسبحُ في الوهمِ ويطفو على الظنِّ، فإذا بكَ قد صعدتَ إلى حيثُ تُقرأُ النجومُ كتابًا مستبينًا.
قال: أوَ تعلمان الآنَ لما سقطتُ في الحفرة؟ لأنَّ الإنسانَ لا يُبصرُ السماءَ والترابَ في نظرةٍ واحدةٍ؛ فمَن أرادَ أن يصعدَ بالعقلِ إلى العلياءِ، فليُقدِمْ على أن تزلَّ قدمُهُ في الحضيضِ. وإنَّ من فلسفتي أنَّ الحكيمَ لو شاءَ المالَ لجمعَهُ، ولو أرادَ الجاهَ لنالَهُ؛ ولو أراد النسب لحصّله، ولو أحب الحسب لصنعه…. ألم تريا أنَّني قرأتُ في النجومِ أنَّ محصولَ الزيتونِ سيعظُمُ، فاشتريتُ المعاصرَ كلَّها، حتى إذا جاءَ الخِصبُ جمعتُ من أهلِ البلدةِ مالًا يجمعهُ الملوكُ؟ فإذا أنا لم أجمعْ مالًا ولم أبنِ قصرًا، فاعلمي أنَّني لستُ عاجزًا عنهُ، ولكنَّني زاهدٌ فيهِ، راغبٌ عمَّا هو خيرٌ منهُ.
قال سؤيل: لقد أحسنتَ الفصلَ بينَ الغنيِّ والعاقلِ؛ فما نصيحتُكَ لي؟ قال: كن كالماءِ؛ الماءُ إذا جرى صفا، وإذا سكنَ روى، وإذا هبطَ إلى الحضيضِ تواضعَ، وإذا صعِدَ إلى العلياءِ لم يتكبَّرْ؛ لا جمودَ فيهِ ولا عنادَ، يتشكَّلُ بكلِّ وعاءٍ ولا يضيعُ في كلِّ فضاءٍ، يغذِّي ولا يطلبُ جزاءً؛ فمن أرادَ الحكمةَ فليُشبه الماءَ.
واعرف نفسَكِ بنفسك، فمَن عرفَ نفسَهُ عَرفَ أصلَهُ، ومن عرفَ أصلَهُ عرفَ الماءَ، ومن عرفَ الماءَ فقد عرفَ الحياةَ، ومن عرف الحياة عرف الخالق. فاستيقظتُ وإذا أنا على فراشي، ورأسي على الوَاشي، وإذا بصوتٍ ينادي – وما أعذبَ النداءَ : “مَن لم يسألْ عن الأصولِ عاشَ مع الأعراضِ؛ ومَن عرفَ الماءَ عرفَ الحياةَ، ومَن عرفَ نفسَهُ فقد عرفَ أصلَهُ وربَّهُ.”… وإلى اللقاء مع مقامة أخرى غرّاء.
