لم تكن مقاومة الجزائريين للاستعمار الفرنسي مجرد مواجهة عسكرية من أجل استرجاع الأرض والسيادة، بل كانت، في جوهرها، معركة أوسع تتصل بالإنسان الجزائري وهويته ودينه ولغته وذاكرته الجماعية. ولهذا أدرك عدد من رموز المقاومة والحركة الوطنية، في مراحل مختلفة من التاريخ الجزائري، أن المشروع الاستعماري لم يكن يستهدف السيطرة على الجغرافيا فحسب، وإنما كان يسعى أيضًا إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق منظومة استعمارية جديدة.
و كان الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله من أوائ من كشف مخططات الإستدمار الفرنسي حين قال :
«فرنسا تراكم عدوا لها وترى نفسها عدوا لكم، ولو سألتموها بعد ألف عام لوجدتم أن هدفها واحد: محو هويتكم ودينكم».
وتحمل هذه العبارة، مضمونًا يتقاطع بوضوح مع جانب أساسي من فكر الإبراهيمي وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو الدفاع عن مقومات الشخصية الجزائرية في مواجهة سياسات الاستعمار.
فمنذ احتلال الجزائر سنة 1830، لم تتوقف السياسة الفرنسية عند إخضاع البلاد عسكريًا وإداريًا، بل رافق ذلك تفكيك تدريجي لعدد من المؤسسات والبنى التي كانت تشكل أساس المجتمع الجزائري.
فقد مست السياسة الاستعمارية التعليم والمؤسسات الدينية والأوقاف والقضاء واللغة، كما سعت إلى فرض منظومة قانونية وإدارية جديدة تخدم المشروع الاستعماري.
وكانت اللغة العربية والإسلام في قلب هذه المواجهة، لأنهما لم يكونا بالنسبة إلى الجزائريين مجرد وسيلتين للتواصل أو ممارسة الشعائر، بل كانتا جزءًا أساسيًا من الذاكرة والانتماء الحضاري.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت المدرسة والمسجد والزوايا والكتّاب والصحافة ساحات للصراع، إلى جانب الجبال والسهول والميادين العسكرية.
الشيخ بوعمامة…المقاومة بالسلاح والوعي
الشيخ بوعمامة، أحد أبرز رموز المقاومة الجزائرية في القرن التاسع عشر، يمثل بدوره مرحلة من مراحل الرفض الشعبي للمشروع الاستعماري.
فقد ارتبطت مقاومته في الجنوب الغربي الجزائري، منذ اندلاعها سنة 1881، برفض التوسع الفرنسي ومحاولة فرض السيطرة الاستعمارية على المناطق والقبائل، واستمرت لسنوات في مواجهة القوات الفرنسية.
ولم تكن مقاومة بوعمامة حالة منفصلة عن السياق العام للمقاومات الجزائرية؛ فقد سبقتها مقاومة الأمير عبد القادر، ومقاومة أحمد باي، وثورات الزعاطشة، والمقراني والشيخ الحداد، وغيرها من الانتفاضات التي كشفت أن الاحتلال لم يكن مقبولًا لدى قطاعات واسعة من الجزائريين.
وفي خلفية هذه المقاومات جميعًا كانت هناك قضية تتجاوز المواجهة العسكرية: من يملك حق تحديد مستقبل المجتمع الجزائري؟
من البندقية إلى المدرسة
مع مرور الزمن، تغيرت أدوات المقاومة, فبعد أن حمل المجاهدون الأوائل السلاح في مواجهة الجيوش الفرنسية، جاء جيل آخر ليخوض معركة من نوع مختلف: معركة التعليم والثقافة واللغة والوعي.
وهنا برز الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي ورفاقهما في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذين جعلوا من إصلاح المجتمع وتعليم أبناء الجزائر والدفاع عن اللغة العربية والإسلام جزءًا من مشروع وطني واسع.
وكان شعار ابن باديس الشهير: “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب”
و قد لخّص جانبًا أساسيًا من التصور الذي تبنته الحركة الإصلاحية آنذاك: أن الحفاظ على الشخصية الجزائرية يمر عبر الحفاظ على عناصرها الثقافية والدينية واللغوية.
وهكذا انتقلت المعركة من مواجهة الاحتلال في ساحات القتال إلى مواجهة سياسات الاستلاب الثقافي داخل المدرسة والمسجد والصحافة والمجتمع.
فكان البشير الإبراهيمي يرى أن تحرير الإنسان لا ينفصل عن تحرير وعيه.
ولهذا لم يكن مشروعه مجرد مشروع ديني أو تعليمي بالمعنى الضيق، بل كان مرتبطًا بإعادة بناء الثقة بالذات الجزائرية، وإحياء اللغة العربية، ومحاربة الجهل، وترسيخ الشعور بالانتماء.
لقد أدرك الإبراهيمي ورفاقه أن الاستعمار يستطيع أن يفرض وجوده بالقوة العسكرية، لكنه لا يستطيع أن يضمن استمراره إذا بقي المجتمع متمسكًا بوعيه وذاكرته وهويته.
وهذه النقطة بالذات تجعل خطاب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين جزءًا مهمًا من تاريخ المقاومة الوطنية؛ فقد كانت المدرسة بالنسبة إليهم وسيلة للتحرير، وكان التعليم شكلًا من أشكال المقاومة، وكانت اللغة العربية جسرًا يصل الجزائري بماضيه وحضارته.
شخصيات متعددة…هاجس واحد
وعند قراءة تاريخ الجزائر خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، نجد اختلافًا كبيرًا بين الشخصيات والوسائل والظروف.
فالأمير عبد القادر كان رجل دولة وقائد مقاومة، وأحمد باي قاد المقاومة في الشرق، والشيخ بوعمامة حمل راية المقاومة في الجنوب الغربي، بينما خاض ابن باديس والإبراهيمي معركة الإصلاح والتعليم والثقافة.
لكن اختلاف الأدوات لم يمنع وجود قاسم مشترك: رفض أن تتحول الجزائر إلى مجرد أرض تابعة للمستعمر، ورفض ذوبان المجتمع الجزائري في المشروع الاستعماري.
لقد ارتبط تاريخ الجزائر الحديث ارتباطًا وثيقًا بالدفاع عن اللغة والدين والذاكرة والانتماء الوطني، وهي عناصر ظلت حاضرة في خطاب المقاومة ثم الحركة الوطنية وصولًا إلى ثورة التحرير.
ولهذا فإن استعادة أقوال رجال المقاومة والعلماء ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي محاولة لفهم كيف تشكل الوعي الوطني الجزائري في ظروف استعمارية شديدة التعقيد.
والدرس الأهم أن الاحتلال لا يبدأ دائمًا من الأرض وينتهي عندها؛ فقد يحاول، في بعض التجارب الاستعمارية، التأثير في التعليم واللغة والثقافة والذاكرة. ولذلك تصبح المحافظة على الوعي التاريخي مسؤولية وواجب على كل الجزائريين أولا و قبل كل شيئ.