ما قل ودل

الحروب السيبرانية و معركة الوعي…الجزائر تحتاج إلى إعلام إلكتروني قوي

شارك المقال

تقول الحكمة إن أي معركة يخوضها جيش لا يمكن أن تكون بلا سلاح، وإن المال ظل عبر التاريخ عصبًا أساسيًا للحروب. غير أن مفهوم السلاح تغيّر بصورة جذرية في العصر الحديث؛ فلم تعد المعارك تُحسم فقط في ساحات القتال، ولم يعد التفوق العسكري مرتبطًا بعدد الجنود والطائرات والدبابات وحدها، بل أصبح يمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تدور واحدة من أكثر المعارك تعقيدًا وتأثيرًا في عالم اليوم: الحرب السيبرانية وحرب المعلومات.

لقد أصبح الفضاء الإلكتروني مجالًا للتنافس بين الدول، ليس فقط من خلال الهجمات على الأنظمة والشبكات، وإنما أيضًا عبر حماية البنية التحتية الرقمية، وتأمين البيانات، ومواجهة التضليل، وبناء منظومات إعلامية قادرة على إنتاج المعلومة بسرعة ودقة والوصول إلى الجمهور قبل أن تصل إليه الروايات المضللة.

ومن هنا فإن الحديث عن الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين لم يعد ممكنًا من دون الحديث عن الأمن السيبراني والأمن المعلوماتي والأمن الإعلامي في آن واحد.

من حرب الجيوش إلى حرب العقول

يعتبر الجيش في المفهوم التقليدي هو خط الدفاع الأول عن الدولة، وكانت الحدود الجغرافية هي المجال الرئيسي للصراع. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف الذكي والحاسوب والمنصة الرقمية جزءًا من البيئة التي تُخاض فيها معارك التأثير.

فقد تستطيع معلومة خاطئة أن تنتشر في دقائق إلى ملايين الأشخاص، وقد يؤدي اختراق نظام معلوماتي إلى تعطيل خدمات حيوية، كما تستطيع حملات التضليل المنظمة التأثير في النقاش العام وزعزعة الثقة بالمؤسسات.

وهنا تظهر حقيقة أساسية: الحرب السيبرانية ليست حرب أجهزة فقط، وإنما حرب عقول ووعي وثقة.

فالاختراق التقني قد يستهدف شبكة، لكن التأثير المعلوماتي يستهدف الإنسان نفسه؛ طريقة تفكيره، ومصادر معلوماته، وثقته في محيطه، وقدرته على التمييز بين الحقيقة والإشاعة.

الإعلام الرقمي…خط دفاع جديد

في هذا السياق، لم تعد الصحافة الإلكترونية مجرد نسخة رقمية من الصحيفة الورقية.

لقد أصبحت المنصات الإعلامية الرقمية جزءًا من البيئة الاستراتيجية التي تتشكل داخلها صورة الدولة والمجتمع والأحداث. فالصحيفة الإلكترونية الجادة تستطيع أن تقدم المعلومة الموثوقة في اللحظة التي تنتشر فيها الإشاعة، وأن تشرح للرأي العام خلفيات الأحداث، وأن تواجه الأخبار الكاذبة بالتحقق والوثيقة والتحليل.

وهذا لا يعني تحويل الصحافة إلى أداة دعائية أو التخلي عن استقلاليتها المهنية؛ بل على العكس تمامًا، فإن المهنية والمصداقية والتحقق هي أقوى وسائل الدفاع الإعلامي.

فالإعلام الذي يريد أن يكون جزءًا من حماية المجتمع يجب أن يمتلك القدرة على قول الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة معقدة، وأن يميز بين النقد المشروع والتضليل، وبين حرية التعبير ومحاولات التلاعب بالمعلومات.

الجزائر أمام تحدي التحول الرقمي

الجزائر، مثل بقية دول العالم، توجد أمام واقع جديد لا يمكن تجاهله. فالمجتمع الجزائري أصبح أكثر ارتباطًا بالفضاء الرقمي، وأصبحت مواقع التواصل والمنصات الإخبارية من أهم مصادر الأخبار بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور.

وهذا التحول يفرض سؤالًا مهمًا:

 “هل تستطيع الصحافة الإلكترونية الجزائرية الانتقال من مرحلة نشر الأخبار إلى مرحلة صناعة المحتوى الرقمي المتكامل؟”

الإجابة تقتضي إعادة النظر في طريقة التعامل مع الإعلام الإلكتروني.

فالصحيفة الرقمية الحديثة لم تعد بحاجة فقط إلى صحفي يكتب مقالًا، وإنما إلى فريق قادر على التعامل مع النص والصورة والفيديو والصوت والإنفوغرافيك والبيانات ومنصات التواصل الاجتماعي، مع امتلاك الحد الأدنى من الثقافة السيبرانية التي تمكنه من حماية حساباته ومصادره وبياناته.

فمن الخطأ النظر إلى المؤسسات الإعلامية الرقمية باعتبارها مشاريع تجارية صغيرة يمكنها الاستمرار دون إمكانات.

فالانتقال من الصحافة الإلكترونية المكتوبة إلى الإعلام الرقمي السمعي البصري يحتاج إلى استثمار في المعدات والبرمجيات والتكوين والموارد البشرية.

كما يحتاج إلى صحفيين يمتلكون مهارات جديدة، من بينها التحقق الرقمي، والتحليل البصري للبيانات، وإنتاج الفيديو، والبث المباشر، وإدارة المنصات الرقمية، وفهم خوارزميات التوزيع، والتعامل الآمن مع الحسابات والمعلومات.

ومن هنا فإن دعم المؤسسات الإعلامية الرقمية الجّادة و هنا نضع سطرين حول “جّادة”، وتكثيف الدورات التكوينية، وفتح مسارات للتعاون بين الصحفيين وخبراء التكنولوجيا والأمن السيبراني، يمكن أن يشكل جزءًا من بناء منظومة إعلامية وطنية أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر.

من الصحفي إلى “الجندي الرقمي”؟

ربما يكون من الأفضل عدم استخدام مفهوم “الجندي” حرفيًا في الحديث عن الصحفي، لأن وظيفة الصحافة ليست وظيفة عسكرية، ولا ينبغي أن تفقد استقلاليتها المهنية.

لكن يمكن القول إن الصحفي الرقمي أصبح فاعلًا أساسيًا في معركة الوعي.

فهو الذي يتحقق من الأخبار، ويفكك الروايات المضللة، ويبحث عن الوثيقة، ويضع الأحداث في سياقها، ويمنح المواطن القدرة على فهم ما يجري بدل تركه فريسة للمعلومة المجهولة المصدر.

ولهذا فإن الصحفي الذي يمتلك أدوات التكنولوجيا الحديثة، إلى جانب التكوين المهني والأخلاقي، يستطيع أن يكون أكثر تأثيرًا من عشرات الحسابات التي تعيد نشر المعلومات دون تحقق.

الدرس الذي قدمته الطباعة

ربما يكون أفضل مثال تاريخي لفهم التحولات التي يشهدها الإعلام اليوم هو اختراع الطباعة.

عندما ظهرت الطباعة وانتشرت الكتب على نطاق واسع، لم تكن مجرد تقنية جديدة لإنتاج النصوص؛ لقد أحدثت تحولًا عميقًا في طريقة انتقال المعرفة، وساهمت في تغيير البنية الثقافية والفكرية للمجتمعات الأوروبية.

والدرس هنا ليس أن التكنولوجيا جيدة أو سيئة في حد ذاتها، وإنما أن الأداة الجديدة تصبح مؤثرة بحسب الطريقة التي يستخدمها بها المجتمع.

واليوم يقف العالم أمام تحول مشابه، لكن بسرعة أكبر بكثير.

فالإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية أعادت تعريف مفهوم الإعلام نفسه. ولم يعد الجمهور ينتظر الصحيفة في صباح اليوم التالي؛ بل أصبح الخبر يصل إليه في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث.

العالم أصبح قرية صغيرة…لكن القرية تحتاج إلى إعلام مسؤول

لقد تحققت مقولة إن العالم أصبح قرية صغيرة بصورة لم يكن يتخيلها أحد.

غير أن المشكلة لم تعد في سرعة وصول المعلومة، بل في جودة المعلومة التي تصل.

ففي البيئة الرقمية يمكن للخبر الصحيح أن ينتشر، لكن يمكن للإشاعة أيضًا أن تنتشر بالسرعة نفسها، وربما أسرع.

ومن هنا تأتي مسؤولية المؤسسات الإعلامية التي تريد أن تكون فاعلًا حقيقيًا في الفضاء الرقمي: أن تنافس السرعة بالسرعة، ولكن دون التضحية بالدقة، وأن تواجه الصورة المضللة بالصورة الموثقة، والفيديو المفبرك بالتحقق، والخبر المجهول بالمصدر الواضح.

الجزائر بحاجة إلى صناعة محتوى لا مجرد استهلاك المحتوى

أحد التحديات الكبرى أمام الإعلام الجزائري اليوم هو الانتقال من موقع مستهلك المحتوى الرقمي إلى صانع محتوى قادر على المنافسة.

فالجزائر تمتلك رصيدًا تاريخيًا وثقافيًا وحضاريًا كبيرًا، لكن هذا الرصيد يحتاج إلى من يقدمه للأجيال الجديدة وللعالم بلغة العصر.

وهنا يمكن للإعلام الرقمي أن يلعب دورًا محوريًا: تحويل التاريخ الجزائري إلى أفلام وثائقية قصيرة، وإنتاج برامج معرفية، وإعادة تقديم الشخصيات الوطنية في قالب إلكتروني و سمعي بصري حديث، وإنشاء أرشيف رقمي، واستعمال تقنيات البيانات والخرائط التفاعلية والذكاء الاصطناعي في خدمة المحتوى الصحفي.

إن المعركة الحقيقية ليست فقط في مواجهة ما يُقال عن الجزائر، وإنما أيضًا في قدرة الجزائريين على إنتاج روايتهم الإعلامية بأنفسهم، بالوثيقة والمهنية والاحتراف.

حروب الجيل الخامس تبدأ من الوعي

إن الحديث عن حروب الجيل الخامس لا ينبغي أن يدفعنا إلى تحويل كل اختلاف أو نقد إلى مؤامرة أو حرب معلوماتية. فالمجتمعات الديمقراطية والصحية تحتاج إلى النقد والتعدد والاختلاف.

لكن في المقابل، فإن وجود حملات تضليل أو محاولات للتلاعب بالمعلومات أمر ينبغي التعامل معه بجدية، من خلال بناء مجتمع يمتلك المناعة الرقمية اللازمة.

وهذه المناعة لا تُبنى بالحجب وحده، ولا بالمنع وحده، وإنما بالتربية الإعلامية، والتعليم الرقمي، والشفافية، والمهنية الصحفية، والوعي السيبراني.

فكلما ارتفع مستوى وعي المواطن، انخفضت قابلية المجتمع للتضليل.

الإعلام الإلكتروني هو المستقبل

إذا كانت الدول تنفق أموالًا ضخمة لحماية شبكاتها وأنظمتها الرقمية، فإن حماية الفضاء المعلوماتي تحتاج أيضًا إلى الاستثمار في الإنسان الذي يعمل داخله.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية متكاملة تقوم على تكوين الصحفيين، ودعم المؤسسات الإعلامية الرقمية المهنية، وتشجيع إنتاج المحتوى السمعي البصري، وإنشاء منصات تحقق متخصصة، وتعزيز التعاون بين الإعلاميين وخبراء الأمن السيبراني، مع احترام استقلالية الصحافة وأخلاقياتها.

فالصحافة التي لا تتطور قد تجد نفسها خارج المشهد، ليس لأن الصحافة انتهت، وإنما لأن طريقة استهلاك الإنسان للمعلومة تغيرت.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram