لم يكن الشيخ الطيب المهاجي بعيدًا عن آلام الاستعمار الفرنسي ولا عن مآسيه التي أصابت الجزائريين، بل عاش التجربة الاستعمارية في تفاصيلها الأكثر قسوة، منذ بدايات الاحتلال إلى السنوات الأخيرة التي سبقت استرجاع الجزائر لاستقلالها.
فقد امتدت آثار الاستعمار إلى أسرته مباشرة، بدءًا من نفي جده بن فريحة، وصولًا إلى المأساة التي عاشها بفقدان ابنه الشهيد زدور براهيم بلقاسم مدّون بيان أول نوفمبر، فضلًا عن استشهاد عدد من خيرة تلامذته في صفوف الثورة الجزائرية المباركة. ومع ذلك، ظل الشيخ واقفًا، ثابتًا، يحمل رسالته العلمية والتربوية في زمن كانت فيه الجزائر تعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخها.
الاستعمار في ذاكرة أسرة
لم يكن الاحتلال بالنسبة إلى الشيخ الطيب المهاجي مجرد حدث تاريخي يُروى في الكتب، بل كان تجربة شخصية امتدت جذورها داخل أسرته.
فمنذ السنوات الأولى للاستعمار، ذاقت عائلته مرارة النفي والتشريد، حين تعرض جده بن فريحة للترحيل، في سياق سياسة استعمارية جعلت النفي وسيلة لمعاقبة المقاومين والرافضين للوجود الفرنسي.
وكانت تلك التجربة العائلية المبكرة كافية لتجعل قضية الجزائر بالنسبة إلى الشيخ قضية تتجاوز السياسة، لتصبح جزءًا من الذاكرة والكرامة والانتماء.
غير أن الطيب المهاجي لم يختر طريق اليأس أو الانكفاء، وإنما اختار طريقًا آخر: العلم والتربية وبناء الإنسان.
الشيخٌ اختار أن يبني الإنسان
في مواجهة واقع استعماري كان يسعى إلى السيطرة على الأرض والمجتمع، أدرك الشيخ الطيب المهاجي أن المحافظة على شخصية الجزائري تبدأ من المحافظة على عقله وقيمه ووعيه.
ولهذا كرّس جانبًا كبيرًا من حياته للتعليم والتكوين، فدرّس أجيالًا من الشباب، وربّى مئات الطلبة، ولم يتعامل مع التعليم باعتباره وظيفة أو مهنة فحسب، وإنما باعتباره رسالة ومسؤولية.
كان يؤمن بأن بناء الإنسان المتعلم والواعي هو أحد أهم أشكال مقاومة الجهل والاستلاب.
وهكذا أصبحت مجالس الشيخ ومدرسته فضاءً لتكوين أجيال حملت العلم والقيم، ثم اختار عدد من تلامذته لاحقًا طريق المقاومة والثورة، ودفع بعضهم حياته ثمنًا لاستقلال الجزائر.
حين يتحول التلميذ إلى شهيد
من أكثر المحطات ألمًا في حياة العالم والمربي أن يرى أبناءه وتلامذته الذين علمهم ورباهم يسقطون في طريق الوطن.
وقد عاش الشيخ الطيب المهاجي هذا الألم أكثر من مرة.
فعدد من خيرة تلامذته الذين تلقوا عنه العلم اختاروا طريق الكفاح ضد الاستعمار، وسقط بعضهم شهداء في معارك الثورة التحريرية.
وهنا تتداخل مشاعر المعلم مع مشاعر الأب والمربي؛ فالتلميذ الذي كان بالأمس يجلس أمام الشيخ يتلقى العلم أصبح اليوم شهيدًا في سبيل قضية آمن بها.
لكن الشيخ لم ينظر إلى هذه التضحيات باعتبارها نهاية، بل باعتبارها ثمرة لجيل تربى على قيم التضحية والكرامة.
مأساة إبن بلا قبر
ولم يكن ألم الشيخ مقتصرًا على تلامذته فحسب, فقد امتدت المأساة إلى أسرته نفسها، عندما فقد ابنه زدور براهيم بلقاسم حين اختطفه المستعمر و نك به في أوائل أيام الثورة، ليواجه الشيخ واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يعيشها الأب.
كان يمكن لهذه الفاجعة أن تهز الإنسان من داخله، وأن تجعله ينكسر أمام حجم الألم، لكن شخصية الشيخ وإيمانه جعلاه يتعامل مع المحنة بمنظور مختلف.
لقد كان يرى أن الإنسان مبتلى بما أوتي من نعم، وأن الإيمان الحقيقي لا يظهر في لحظات الراحة وحدها، وإنما يتجلى بصورة أعمق عندما يواجه الإنسان الألم والفقدان.
و كان الإيمان بالنسبة إلى الشيخ الطيب المهاجي أكثر من مجرد معرفة دينية؛ كان منهجًا في الحياة ومصدرًا للصبر.
لقد كان يرى أن ما يمر به الإنسان من محن واختبارات يدخل ضمن سنن الحياة، وأن النعم نفسها قد تكون مجالًا للاختبار، كما أن المصائب قد تتحول إلى امتحان للإيمان والثبات.
ومن هذا المنطلق، استطاع أن يتجاوز، أو على الأقل أن يحمل، ذلك القدر الهائل من الألم الذي أحاط بحياته.
فقد فقد قريبًا عزيزًا، ثم فقد ابنه، وشاهد تلامذة له يرحلون شهداء، ومع ذلك لم يتخل عن رسالته.
وتكمن عظمة الشيخ الطيب المهاجي في أن المأساة الشخصية لم تدفعه إلى التخلي عن رسالته.
فقد كان يستطيع أن ينكفئ على نفسه وأن يعيش أسير الحزن، لكنه اختار أن يواصل التعليم والتربية وخدمة المجتمع.
وهنا تكمن القيمة الكبرى في سيرته: أن الإنسان قد يُهزم جسديًا أو يُصاب في أحب الناس إليه، لكنه يستطيع أن ينتصر على المحنة باستمراره في أداء رسالته.
لقد تحولت الخسارة في حياة الشيخ إلى دافع إضافي للتمسك بالقيم التي آمن بها، وتحولت تضحيات تلامذته إلى شهادة على أن العلم الذي زرعه فيهم لم يكن علمًا منفصلًا عن الواقع، بل كان علمًا يصنع الإنسان صاحب الموقف والمسؤولية.
من ذاكرة الألم إلى ذاكرة الوطن
إن استحضار سيرة الشيخ الطيب المهاجي اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لسيرة عالم من علماء الجزائر، وإنما هو استحضار لجيل كامل عاش الاستعمار وواجهه بوسائل متعددة.
فمن حمل السلاح في الجبال، ومن علّم الأطفال في المدارس والمساجد، ومن حافظ على اللغة العربية، ومن كتب وألّف، ومن ربّى الأجيال، كانوا جميعًا جزءًا من معركة تاريخية واحدة، وإن اختلفت أدوارهم ووسائلهم.
والشيخ الطيب المهاجي يمثل نموذجًا للعالم الذي فهم أن مواجهة الاستعمار لا تكون فقط في ميدان القتال، وإنما تبدأ أيضًا من بناء الإنسان وحماية العلم والهوية والذاكرة.