نظّمت أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي برئاسة الأستاذة البروفيسورة سعاد بسناسي، يوم الجمعة 7 أوت 2026، ندوة علمية موسومة بـ «محمد العيد آل خليفة: الشعر، الإصلاح، وبناء الهوية الوطنية»، وذلك بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من جامعات جزائرية مختلفة، في لقاء علمي سعى إلى إعادة قراءة تجربة الشاعر الجزائري الكبير محمد العيد آل خليفة، واستجلاء أبعادها الشعرية والإصلاحية والوطنية.
وجاءت الندوة بإشراف عام للأستاذة سعاد بسناسي، عضو المجلس الأعلى للغة العربية، ورئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، ومديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام بجامعة وهران 01، فيما ترأست الندوة الأستاذة أحلام شمري من جامعة الإخوة منتوري قسنطينة 1، وتولّت زاهية عثمان من جامعة مولود معمري – تيزي وزو مهمة تسيير البث التقني.
أهداف الندوة
تهدف هذه الندوة إلى تسليط الضوء على المنجز الشعري والفكري لمحمد العيد آل خليفة، باعتباره أحد أبرز أعلام الشعر الجزائري الحديث، والوقوف عند إسهامه في الحركة الإصلاحية الجزائرية، ودوره في ترسيخ مقومات الهوية الوطنية والمحافظة على مقومات الشخصية الجزائرية.
كما سعت إلى الكشف عن تنوع القضايا التي تناولها شعره، ولا سيما قضايا الوطن، والإصلاح، والهوية، والتعليم، واللغة، والعلاقة بين الماضي والحاضر، فضلاً عن إبراز القيمة التربوية والتثقيفية لشعره وإمكانات توظيفه في المناهج التعليمية المعاصرة.
وقد مثّلت المداخلات المقدمة في الندوة مقاربات متكاملة، جمعت بين التحليل الأدبي والفني، والقراءة التاريخية والفكرية، والبعد التربوي.
المداخلة الأولى: جدلية الماضي والحاضر في قصيدة «يا شرق»
قدّمت الدكتورة خديجة زين من جامعة الشهيد حمة لخضر – الوادي مداخلة بعنوان:
«جدلية الماضي والحاضر في قصيدة “يا شرق” لمحمد العيد آل خليفة»
توقفت المداخلة عند قصيدة «يا شرق»، من خلال رصد العلاقة التي يقيمها الشاعر بين الماضي والحاضر، وكيف يستحضر الماضي بوصفه ذاكرة جماعية ومصدراً للقيم والدروس، في مقابل واقع حاضر يحتاج إلى الوعي والإصلاح والنهوض.
وأبرزت الباحثة أن استدعاء الماضي لدى محمد العيد آل خليفة لا يقوم على الحنين المجرد، وإنما يتخذ وظيفة نقدية وتوجيهية، إذ يجعل الشاعر من الذاكرة التاريخية وسيلة لقراءة الحاضر واستشراف المستقبل. كما كشفت المداخلة عن حضور البعد الوطني والإصلاحي في القصيدة، وعن قدرة الشاعر على تحويل التجربة الشعرية إلى خطاب يحمل رسالة اجتماعية وفكرية.
المداخلة الثانية: اللغة الشعرية عند محمد العيد آل خليفة
أما الدكتور يوسف بغدادي من جامعة المسيلة، فقد تناول في مداخلته الموسومة:
«اللغة الشعرية عند محمد العيد آل خليفة»
خصائص اللغة الشعرية التي اعتمدها محمد العيد آل خليفة، مبرزاً طبيعة المعجم الشعري والأساليب التعبيرية التي مكّنته من إيصال أفكاره ومواقفه إلى المتلقي.
وقد بيّنت المداخلة أن لغة الشاعر تجمع بين وضوح العبارة وقوة الدلالة، وأنها لغة مشبعة بالمعاني الوطنية والإصلاحية والدينية، مع توظيف أدوات بلاغية وأساليب شعرية تمنح النص بعده الجمالي والتأثيري.
كما أبرزت المداخلة ارتباط اللغة الشعرية لدى محمد العيد بمشروعه الإصلاحي؛ فالشعر عنده لم يكن مجرد تعبير جمالي، بل كان وسيلة للتوعية والتوجيه والدفاع عن مقومات المجتمع والهوية الوطنية.
المداخلة الثالثة: بناء الهوية الوطنية في شعر محمد العيد آل خليفة
وقدمت الأستاذة الدكتورة أحلام شمري من جامعة الإخوة منتوري قسنطينة 1 مداخلة بعنوان:
«بناء الهوية الوطنية في شعر محمد العيد آل خليفة»
ركزت المداخلة على حضور الهوية الوطنية في التجربة الشعرية لمحمد العيد آل خليفة، وكيف أسهم شعره في التعبير عن الوعي بالانتماء إلى الوطن، والدفاع عن مقومات الشخصية الجزائرية.
وتناولت الباحثة جملة من مظاهر بناء الهوية في شعره، من بينها الارتباط بالوطن، والاعتزاز بالتاريخ، والمحافظة على اللغة العربية، والتمسك بالقيم الدينية والأخلاقية، واستحضار رموز الذاكرة الجماعية.
وأكدت المداخلة أن محمد العيد آل خليفة استطاع أن يجعل من القصيدة فضاءً لبناء الوعي الوطني، وأن شعره مثّل صوتاً أدبياً وفكرياً ساهم في مواجهة محاولات طمس الشخصية الجزائرية، من خلال تثبيت عناصر الانتماء والاعتزاز بالذات الوطنية.
المداخلة الرابعة: شعر الإصلاح والهوية الوطنية وآفاق توظيفه تربوياً
واختُتمت المداخلات العلمية بمشاركة الدكتورة بسمة سيليني من جامعة الجزائر 2، من خلال مداخلتها الموسومة:
«شعر الإصلاح والهوية الوطنية: قراءة في ديوان محمد العيد آل خليفة وآفاق توظيفه في المنهاج التربوي»
جمعت هذه المداخلة بين البعد الأدبي والبعد التربوي، من خلال قراءة شعر محمد العيد آل خليفة بوصفه خطاباً إصلاحياً ووطنياً يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في بناء شخصية المتعلم.
وتطرقت الباحثة إلى مضامين الإصلاح في شعر الشاعر، وما يحمله من قيم الوطنية، والأخلاق، والعلم، والعمل، والتمسك باللغة والهوية، مع التأكيد على أهمية استثمار هذا الرصيد الشعري في العملية التعليمية.
كما طرحت المداخلة آفاق توظيف شعر محمد العيد آل خليفة في المناهج التربوية، بما يسمح للمتعلمين بالتعرف على نماذج من الأدب الجزائري المرتبط بالهوية الوطنية، وربط النص الأدبي بالقيم التاريخية والثقافية والوطنية.
لقاء علمي يستحضر شاعر الإصلاح والوطن
وقد كشفت المداخلات، على اختلاف زوايا مقاربتها، عن وحدة جوهرية تتمثل في النظر إلى تجربة محمد العيد آل خليفة باعتبارها تجربة شعرية تتجاوز الجانب الجمالي لتتصل بمشروع ثقافي وإصلاحي ووطني متكامل.
فالقصيدة عنده كانت صوتاً للإصلاح، وفضاءً للتعبير عن حب الوطن، وأداة لترسيخ الوعي بالهوية، وهو ما جعل تجربته حاضرة في الذاكرة الأدبية الجزائرية وقابلة لإعادة القراءة في ضوء التحولات الثقافية والتربوية الراهنة.
وفي هذا السياق، أكدت الندوة أهمية مواصلة البحث في التراث الأدبي الجزائري، وإعادة تقديم أعلامه للأجيال الجديدة، بما يحقق صلة متينة بين الأدب والذاكرة والهوية والتربية.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن شعر محمد العيد آل خليفة لا يزال يحتفظ بقدرته على مخاطبة القارئ المعاصر، لما يحمله من قيم إنسانية ووطنية وإصلاحية، وأن إعادة قراءته وتوظيفه تربوياً وثقافياً يمكن أن تسهم في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية وترسيخ الارتباط بالتراث الأدبي الجزائري.