في ظل التحولات الشاملة التي تشهدها المنظومات التعليمية والثقافية عالميًا، نظّمت أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، ممثلة في وحدة الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ندوة علمية رفيعة المستوى عبر تقنية البث المباشر، تحت عنوان: “التعليمية والرؤى الرقمية”.
شهدت الندوة – التي أُقيمت تحت الإشراف العام للأستاذة البروفيسورة سعاد بسناسي، وتسيير الدكتورة فتيحة حداد (رئيسة الوحدة)، بتنسيق تقني للدكتورة زاهية عثمان – مشاركة نخبة من الباحثين الذين قدّموا أطروحات تتجاوز الاستعمال السطحي للتقنية إلى التأسيس لمعرفة جديدة بأسس الفعل التربوي المعاصر.
أوراق العمل: قراءة في المحاور الكبرى
1. من الثنائيات التقليدية إلى “المقصدية الرقمية”
افتتحت الدكتورة فتيحة حداد أعمال الندوة بمداخلة تأسيسية بعنوان: «الفعل التعليمي بين الثنائية التقليدية والمقصدية الرقمية – رؤية جديدة للسلوكيات التعليمية».
دعت الباحثة من خلالها إلى تجاوز النماذج الكلاسيكية القائمة على الثنائيات المتقابلة مثل:
-
(معلّم / متعلّم)
-
(نقل / تلقٍّ)
وطرحت بديلًا يتلاءم مع البيئات الحديثة يُعرف بـ «المقصدية الرقمية»؛ وهو إطار مفاهيمي جديد يفسّر كيفية إعادة تشكيل الغايات والسلوكيات التربوية عندما يتوسط الفضاء الرقمي العملية التعليمية برمتها.
2. الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل الوعي
في المحور الثاني، أخذت الدكتورة لبنى خشة الحضور إلى بعد فلسفي ومعرفي عميق عبر ورقتها: «التعليم الرقمي وإعادة تشكيل الوعي في عصر الذكاء الاصطناعي».
أكدت الباحثة أن التحول الرقمي لا يقف عند حدود الناحية الإجرائية أو تحسين الأدوات والوسائط، بل يمتد ليمسّ:
-
بناء وعي المتعلّم وإدراكه لذاته.
-
طريقة تعامله مع المعرفة وتشكيل تمثيلاته الذهنية.
وهو ما يضع المؤسسات التعليمية أمام تساؤلات إبيستمولوجية حول طبيعة الوعي المتشكّل داخل البيئات الذكية.
3. اللسانيات العصبية ومعمارية “المحوّلات”: نحو أفق حاسوبي للتعلم
ختام المداخلات كان مع الدكتور شاوش عبد القادر في ورقة متقدمة بعنوان: «اللسانيات العصبية والذكاء الاصطناعي: رؤية جديدة لأسس الفعل التعليمي».
سلّط الباحث الضوء على تقاطع علمي حديث يربط بين مفهوم «الدماغ التنبؤي» ونماذج اللغة الكبيرة (LLMs) القائمة على معمارية “المحوّلات” (Transformers). وأوضح أن هذه النماذج الحاسوبية نجحت – دون قصد مسبق في تصميمها – في الوصول إلى تمثيلات تقترب إحصائيًا من النشاط العصبي البشري أثناء فهم اللغة.
[ التقاطع العلمي الناشئ ]
│
┌───────────────────────┴───────────────────────┐
▼ ▼
[ الدماغ التنبؤي ] [ نماذج اللغة الكبيرة ]
(تحديث الفهم عبر "الخطأ التنبؤي") (معمارية المحوّلات / تقارب إحصائي)
تنبيه حاسم: شدّد الدكتور شاوش على أن هذا التقارب الإحصائي لا يعني “تطابقًا”، فالنماذج الرقمية تفتقر للجسد، الإدراك الحسي، والدافعية التاريخية للأنظمة الحيوية.
وانتهت المداخلة بطرح مفهوم إعادة تعريف العملية التعليمية لتكون محاكاة منضبطة لـ “الخطأ التنبؤي”؛ حيث يُصبح الخطأ هو المحرك الأساسي لتحديث المعرفة، موازاةً مع مفهوم “الوضعية-المشكلة” الكلاسيكي وفلسفة “الثورات العلمية” لـ توماس كون.
رؤية متكاملة للمستقبل
| الباحث | محور المداخلة | الأثر المستهدف |
| د. فتيحة حداد | المقصدية الرقمية والسلوك التربوي | تجديد أطر التواصل والتعليم |
| د. لبنى خشة | تشكيل الوعي في العصر الرقمي | فهم عميق لمعرفية المتعلّم |
| د. شاوش عبد القادر | اللسانيات العصبية والذكاء الاصطناعي | تأصيل عصبي-حاسوبي للتعلم |
شكلت هذه الندوة العلمية قفزة نوعية في الطرح الأكاديمي العربي؛ إذ أثبتت الأوراق المقدمة أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي ليسا مجرد تقنيات طارئة على الفصول الدراسية، بل هما إعادة صياغة شاملة للبنية المعرفية والعصبية التي يُبنى عليها الفعل التعليمي برمته.