ما قل ودل

حوّل التضامن من كلمات إلى فعل…القضية الفلسطينية قضية جزائرية في منظور الإبراهيمي

الشيخ البشير الإبراهيمي رفقة علماء الأمة الإسلامية

شارك المقال

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ البشير الإبراهيمي قضية عابرة أو موضوعًا من موضوعات الخطاب السياسي، وإنما كانت جزءًا أصيلًا من رؤيته للأمة وقضاياها. فمن خلال مقالاته وخطبه ومواقفه، تعامل الإبراهيمي مع فلسطين باعتبارها قضية تتجاوز حدود الجغرافيا، وتستوجب موقفًا عمليًا لا يقتصر على الاستنكار وإبداء التعاطف.

وتشير دراسات أكاديمية تناولت موقفه من القضية الفلسطينية إلى أن فلسطين احتلت مكانة متقدمة في كتاباته، وأنه تناول القضية من زوايا دينية وتاريخية وسياسية، كما دعا إلى توحيد الجهود العربية والإسلامية لمواجهتها.

و ما يميز موقف الإبراهيمي أن تضامنه لم يتوقف عند حدود الخطاب, فقد أشار عبد الله العقيل، في تقديمه لكتاب فلسطين الذي يجمع مواقف الإبراهيمي من القضية، إلى أن الشيخ لم يكتفِ بالتنديد بمن يستحق التنديد أو بالإشادة بمن يستحق الإشادة، بل قرن القول بالفعل، ومن أبرز مبادراته دعوته الجزائريين إلى صوم أسبوع من كل شهر والتبرع بنفقات ذلك الصوم لصالح فلسطين.

وهذه الدعوة، بصرف النظر عن اختلاف ظروفها التاريخية عن واقعنا المعاصر، تكشف عن طبيعة التفكير الذي كان يحكم الرجل: تحويل التعاطف إلى تضحية، والتضامن إلى ممارسة اجتماعية.

ربط مصير فلسطين بمصير الوطن الإسلامي

كان الإبراهيمي يرى أن فلسطين ليست شأنًا فلسطينيًا محضًا، ولا قضية عربية منفصلة عن بقية الأمة.

وفي إحدى عباراته الشهيرة، جعل فلسطين جزءًا من الوطن الإسلامي، مؤكدًا أن الجزائري يشعر تجاهها باعتبارها قضية تمس عمقه الحضاري والديني. وقد تناولت أبحاث أكاديمية هذا البعد في خطابه، مبرزة المكانة الخاصة التي منحها لفلسطين في فكره.

وهنا تتضح إحدى أهم سمات خطابه: فلسطين عند الإبراهيمي لم تكن مجرد أرض متنازع عليها، بل قضية عدالة وحرية وكرامة.

و لم يكتفِ الإبراهيمي بالكتابة والتحريض المعنوي، بل شارك في إنشاء إطار عملي لجمع المساعدات لفلسطين، هو الهيئة العليا لإعانة فلسطين.

 مكتبته وضعها تحت تصرف القضية

ومن أكثر المواقف دلالة على ذلك أنه وضع مكتبته تحت تصرف الهيئة التي كانت تعمل لإعانة فلسطين، بحيث يمكن بيعها وتقديم ثمنها للفلسطينيين.

فالكتاب بالنسبة إلى عالم مثل الإبراهيمي لم يكن مجرد ممتلكات مادية؛ كانت مكتبته حصيلة عمر كامل من العلم والتحصيل.

ومع ذلك، كان مستعدًا لوضعها في خدمة قضية آمن بعدالتها.

 موقف يتجاوز العاطفة

كتب الإبراهيمي عن فلسطين في مرحلة كانت القضية فيها تواجه تحولات خطيرة، وانتقد القوى الاستعمارية والسياسات الدولية التي أسهمت في تكريس مأساة الفلسطينيين، كما انتقد حالة الضعف والتفرق العربي.

وقد درست أبحاث جامعية موقفه من الحركة الصهيونية والقضية الفلسطينية، وبينت أنه حاول تفكيك الحجج التي استُخدمت لتبرير المشروع الصهيوني، ودعا إلى توحيد الصف العربي والإسلامي في مواجهة التحدي.

ومن هنا يمكن فهم خطابه في سياقه التاريخي: كان يرى أن ضياع فلسطين ليس مجرد نتيجة لقوة الخصم، وإنما أيضًا نتيجة التشتت والضعف وغياب التضامن الفعّال.

و كان البشير الإبراهيمي يعيش القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أمة، ولذلك جمع في موقفه بين القلم والموقف، والخطاب والعمل، والتنديد والمبادرة.

وهكذا بقيت فلسطين في خطاب الإبراهيمي أكثر من اسم لقضية؛ كانت امتحانًا لصدق الأمة في أقوالها وأفعالها.

المصدر: كتاب فلسطين لعبد الله العقيل

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram