ما قل ودل

نُكوّن المواهب الكروية ثم نرميها…من يدفع ثمن الفوضى في الفئات الصغرى؟

شارك المقال

في كرة القدم الحديثة، لم تعد الفئات الصغرى مجرد مرحلة عمرية تسبق الوصول إلى الفريق الأول، بل أصبحت المصنع الحقيقي الذي تُبنى داخله قوة الأندية والمنتخبات لسنوات طويلة. فالدول التي صنعت لنفسها مكانًا ثابتًا في خريطة كرة القدم العالمية أدركت منذ وقت مبكر أن الاستثمار الحقيقي ليس في شراء اللاعب الجاهز، وإنما في اكتشاف الطفل، وتكوينه، ومرافقته لسنوات، ثم منحه الفرصة عندما يصبح جاهزًا للانتقال إلى مستوى الأكابر.

ولعل ما حدث مع المنتخب الإسباني في كأس العالم 2026 يقدم مثالًا لافتًا على أهمية هذا النهج. فقد توجت إسبانيا باللقب العالمي، وكان تأثير مدرسة برشلونة، لاماسيا، حاضرًا بقوة؛ إذ ضمت المباراة النهائية تسعة لاعبين سبق لهم التكوين في منظومة برشلونة، ثمانية منهم مع المنتخب الإسباني، بينما كان أربعة من خريجي لاماسيا ضمن التشكيلة الأساسية لإسبانيا في النهائي، وفق معطيات نشرتها صحيفة El País.

وهنا لا تكمن العبرة في لاماسيا وحدها، وإنما في الفلسفة التي تقف وراءها: اكتشاف المواهب مبكرًا، تكوينها، منحها الوقت، ثم فتح الطريق أمامها نحو الفريق الأول.

وهذا بالضبط ما يجعل السؤال في بلادنا أكثر إلحاحًا: أين يضيع اللاعب الجزائري الصغير قبل أن يصل إلى الفريق الأول؟

التسريح الفوضوي…سرطان الكرة الجزائرية

في بلادنا المفارقة المؤلمة أن الجزائر لا تعاني من غياب المواهب, على العكس تمامًا، فالملاعب والأحياء والمدارس الكروية والأندية تزخر بأطفال يمتلكون قدرات فنية وبدنية يمكن أن تكون نواة للاعبين كبار.

المشكلة تبدأ غالبًا عندما يصل اللاعب إلى مرحلة يفترض أن تكون أهم محطة في مسيرته: الانتقال من فئة الشباب إلى الأكابر, هنا يجد بعض اللاعبين أنفسهم أمام أبواب مغلقة.

سنوات من التدريب، المباريات، التضحية، والتنقل، ثم فجأة ينتهي كل شيء بقرار تسريح أو عدم الاحتفاظ باللاعب، دون أن يحصل في بعض الحالات على تفسير رياضي واضح، أو فرصة حقيقية لإثبات نفسه على مستوى أعلى.

والأخطر من التسريح ذاته هو الطريقة التي يتم بها التسريح, فاللاعب الصغير لا ينظر إلى كرة القدم باعتبارها مجرد وظيفة؛ إنها حلمه وبيئته الاجتماعية ومشروعه الشخصي. وعندما يُغلق الباب أمامه بصورة مفاجئة، قد يقرر ببساطة مغادرة كرة القدم نهائيًا.

وهكذا تخسر الجزائر موهبة قبل أن تعرف أصلًا إلى أي مستوى كان يمكن أن تصل.

 الاشتراك الشهري بعبع عائلات الدخل المتوسط

هناك قضية أخرى تستحق نقاشًا جديًا، وهي تحول بعض أنشطة تكوين الفئات الصغرى إلى مصدر مالي بالنسبة لبعض الأندية والمدارس الكروية.

فاللاعب الصغير وأسرته يدفعان اشتراكًا شهريًا، وتختلف القيمة بحسب النادي والمنطقة وطبيعة المدرسة، ويتداول أولياء اللاعبين أرقامًا تتراوح في بعض الحالات بين 2000 و5000 دينار شهريًا.

إذا كان المقابل هو تكوين رياضي حقيقي وفق برنامج علمي، مع مدربين مؤهلين ومتابعة طبية ونفسية وتربوية ومنشآت مناسبة، فإن الاستثمار في التكوين يمكن أن يكون مفهومًا.

لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الطفل مصدرًا ثابتًا للدخل، بينما لا توجد في المقابل منظومة واضحة تضمن انتقال الموهبة إلى المستوى الأعلى.

هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام مشروع لصناعة لاعب كرة قدم، أم أمام نشاط تجاري قائم على أحلام الأطفال؟

دكة البدلاء شبح الفئات الصغرى 

كرة القدم في الفئات الصغرى يجب أن تكون قبل كل شيء مدرسة للتكوين والتطور.

لكن عندما يدخل المال أو المصالح أو العلاقات أو الحسابات الشخصية في تحديد من يلعب ومن يجلس على مقاعد البدلاء، فإن الخطر لا يعود مقتصرًا على لاعب واحد.

إنه يضرب المنظومة بأكملها, فالطفل الذي يتدرب بجدية ويجد نفسه لا يلعب، بينما يحصل لاعب آخر على فرص متكررة لأسباب لا علاقة لها بمستواه، يمكن أن يفقد ثقته بنفسه.

والمدرب الذي يشعر بأنه مطالب بإرضاء أطراف معينة بدل تطوير اللاعبين، يفقد استقلاليته.

والنادي الذي ينظر إلى الفئات الصغرى باعتبارها مصدرًا ماليًا فقط، يفقد وظيفته الأساسية باعتباره مؤسسة رياضية لصناعة المستقبل.

المفارقة الجزائرية…نشتري الجاهز ونترك المنتج المحلي

ربما لا توجد مفارقة أكبر من أن تتجه أندية القسم الأول إلى التعاقد مع لاعبين من خارج الجزائر بمبالغ كبيرة، في الوقت الذي توجد فيه آلاف المواهب الجزائرية في مختلف الفئات العمرية.

ليس الخطأ في التعاقد مع لاعب أجنبي في حد ذاته, فالاحتراف يفرض المنافسة والاستفادة من التجارب المختلفة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح اللاعب القادم من الخارج الخيار الأول دائمًا، بينما يتحول اللاعب الجزائري الشاب إلى خيار احتياطي، أو إلى لاعب تتم إعارته، أو إلى اسم يختفي بمجرد بلوغه سن الأكابر.

هنا ينبغي أن نطرح سؤالًا اقتصاديًا قبل أن يكون رياضيًا: لماذا ندفع الأموال من أجل شراء لاعب جاهز، بينما يمكننا الاستثمار في لاعب صغير وتكوينه ثم منحه فرصة ليصبح أصلًا رياضيًا للنادي؟

النادي الذي يصنع لاعبيه لا يوفر المال فقط, إنه يصنع رأس مال رياضيًا يمكن أن يستمر لسنوات، ويمكن أن يتحول لاحقًا إلى قيمة تسويقية واحترافية كبيرة.

لاماسيا لم تصبح لاماسيا في ليلة واحدة

الحديث عن لاماسيا يجب ألا يتحول إلى مجرد إعجاب بالنتائج, فالسّر ليس في اسم برشلونة، وإنما في الاستمرارية.

ففي كأس العالم 2026، كانت ثمانية أسماء من خريجي لاماسيا ضمن المنتخب الإسباني، ومن بينهم لامين يامال، غافي، وباو كوبارسي، وداني أولمو، وإريك غارسيا، ومارك كوكوريّا، وأليخاندرو غريمالدو وفيكتور مونيوث، بحسب البيانات المنشورة عن النهائي.

واللافت أن برشلونة نفسه احتفى بوصول تسعة من خريجي منظومته إلى نهائي كأس العالم، ثمانية مع إسبانيا وواحد مع الأرجنتين, هذه ليست صدفة, بل إنها نتيجة تراكم سنوات من العمل في الفئات العمرية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram