تنفتحُ الرّواية المعاصرة على فضاءات جديدة من التّجريب والبحث في قضايا الإنسان، حيث لم تعد مجرَّد سرد للأحداث أو تصوير للشّخصيّات، بل غدت أداةً لفحص الهواجس الفرديّة والجماعيّة، والتقاط التّحوُّلات الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة، إذ تشتبكُ مع أسئلة الهويّة والانتماء وتكشف عن توتّرات العصر ومفارقات الواقع؛ وفي هذا السّياق، تبرزُ رواية “قطط إسطنبول” لزيّاد كمال الحمّاميّ بوصفها نصًّا ينهضُ على فكرة الاندماج المبتور والتّهميش، مستثمرًا حضور “القطط” كرمز دالّ على الكائن المهمّش الذي يعيش على تخوم المدينة بعيدًا عن مركزها الصَّاخب، لتتحوّل الرّواية عبر هذا التّوظيف الرمزي إلى مرآة تُعرّي واقعًا يفتقدُ العدالة والاحتواء.
تأتي الدراسة النقدية للبروفيسور سعاد بسناسي لتفكك هذه التجربة الإنسانية المركبة، حيث يتجاوز اللّجوء السوري مجرد الانتقال القسري ليصبح شرخًا وجوديًا يتقاطع فيه النفسي بالسوسيولوجي والمكاني؛ وقد نجح الباحث في جعل “القطط” استعارة بصريّة مركزية تعكس حالة الذوات المهمشة التي تتقاسم معها الظلّ والأزقة والعيش المؤقت بلا هوية أو اعتراف قانوني، وهو ما تجسد بوضوح في معاناة شخصية “اللُّولو” مع بطاقة “الكيملك” التي تحولت في وعيه من أداة حماية إلى رمز لإذلال بيروقراطي يكرس السجن المكاني والعزلة الاجتماعية.
كما امتدت المقاربة النقدية لتضيء أبعادًا رمزية أخرى داخل النص، كشخصية القطة “هند خانم” التي تفرض طقوسًا لفظية صارمة لليناديها الآخرون باسمها الكامل، في سلوك يمثل استعارة لمقاومة الذوبان وفرض الهوية الفردية داخل عالم هامشي متداعي، بالإضافة إلى التقاط الدلالة البليغة لحادثة ضياع “فردة حذاء الطفل سامي” على الحدود، والتي تختزل عبثية الانشطار الجغرافي وهشاشة الفواصل السياسية أمام براءة الأطفال؛ لتخلص القراءة—بالاستناد إلى طروحات إريك فروم وإدوارد سعيد وإريك إريكسون—إلى أن الرواية تقدّم صرخة أدبية عميقة ضد الاغتراب وتكتب وثيقة إنسانية عن مأساة الهوية الممزقة في عصرنا المعاصر.