ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، وليست كل أشكال الاحتلال تدخل البلاد على ظهر دبابة.
هذه الحقيقة فهمها علماء وقادة جزائريون في وقت مبكر، ولذلك لم يكن تحذيرهم من الاستعمار مقتصراً على وجود الجندي الفرنسي فوق الأرض الجزائرية، بل امتد إلى ما هو أخطر: محاولة السيطرة على عقل الجزائري، ولغته، وثقافته، وذاكرته، ونظرته إلى نفسه ووطنه.
والصورة التي تحمل مقولة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي تختصر هذا المعنى بعبارة بالغة القوة:
«إن الاستعمار كالشيطان… فهو قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم.»
وقد وردت هذه الكلمات في خطبته الشهيرة بمسجد كتشاوة بعد الاستقلال، حين أراد الإبراهيمي أن يقول للجزائريين إن الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة انتهاء كل آثار المرحلة الاستعمارية. وقد نقلت مصادر جزائرية نص الخطبة بهذا المعنى، كما تناولت دراسات ومقالات فكرية دلالة حديثه عن استمرار النفوذ الاستعماري بعد خروج المستعمر.
الإبراهيمي كان يستشرف خطط الفرنسيين قبل وقوعها
لم يكن البشير الإبراهيمي ينظر إلى الاستعمار باعتباره احتلالاً عسكرياً فحسب, فالمستعمر، في نظره، يريد الأرض والثروة، لكنه يريد أيضاً الإنسان.
ولهذا كانت معركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مرتبطة بالتعليم واللغة والدين والهوية. فالاستعمار الفرنسي لم يكتف بإدارة الأرض، وإنما سعى إلى إعادة تشكيل المجتمع الجزائري وفق منظومة ثقافية وسياسية تخدم بقاءه.
وعندما قال الإبراهيمي بعد الاستقلال إن الاستعمار خرج من الأرض لكنه لم يخرج من مصالحها وألسنة بعض أهلها وقلوبهم، فإنه كان يضع يده على واحدة من أخطر القضايا التي تواجه الدول الخارجة من الاستعمار.
كيفية التحول من الاستقلال السياسي إلى الاستقلال الحقيقي؟
الاستقلال ليس مجرد رفع العلم الوطني مكان علم المستعمر, إنه أيضاً استقلال القرار، واستقلال الوعي، واستقلال الثقافة، واستقلال الرواية التاريخية.
فقبل الإبراهيمي، كان عبد الحميد بن باديس يخوض معركة أخرى ضد المشروع الاستعماري.
لم يكن ابن باديس يملك جيشاً، لكنه أدرك أن المدرسة يمكن أن تكون أقوى من البندقية عندما يتعلق الأمر بصناعة الإنسان.
فأسس مشروعاً إصلاحياً وتعليمياً واسعاً، وارتبط اسمه بمقاومة محاولات فرنسة المجتمع الجزائري وإضعاف شخصيته العربية الإسلامية.
وتشير دراسة أكاديمية حول موقف ابن باديس من الاستعمار الفرنسي إلى أنه استخدم التعليم والإصلاح وغرس القيم الدينية والوطنية والثورية في الأجيال باعتبارها أدوات لمواجهة السيطرة الأجنبية, وهنا تظهر عبقرية الرجل.
فالمستعمر يستطيع أن يحتل مدينة، لكنه لا يستطيع أن يحتل شعباً يحتفظ بذاكرته.
ويستطيع أن يغلق مدرسة، لكنه لا يستطيع أن يمنع شعباً من إنشاء مدرسة جديدة.
ويستطيع أن يفرض لغته في الإدارة، لكنه لن يستطيع اقتلاع لغة وهوية من وجدان ملايين البشر بسهولة.
مبارك الميلي…عندما يصبح التاريخ سلاحاً
ومن الأسماء التي تستحق أن تستعاد في هذا السياق الشيخ مبارك الميلي.
فقد فهم الرجل أن الاستعمار لا يحارب الحاضر فقط، وإنما يحاول السيطرة على الماضي أيضاً.
ولهذا كان كتابه “تاريخ الجزائر في القديم والحديث” جزءاً من مشروع فكري أوسع يهدف إلى إعادة الجزائري إلى تاريخه، في مواجهة الرواية الاستعمارية التي حاولت تصوير الجزائر باعتبارها مجرد امتداد لتاريخ فرنسا وأوروبا.
وتشير دراسة أكاديمية حول كتابة تاريخ الجزائر عند الميلي إلى أن الاستعمار الفرنسي اتبع سياسة ثقافية وتعليمية هدفت إلى طمس الشخصية التاريخية الجزائرية، وأن رجال الحركة الإصلاحية أدركوا أهمية التاريخ في تكوين وعي الأجيال وربطها بماضيها, وهكذا أصبح الكتاب مقاومة, وأصبح التاريخ سلاحاً.
وأصبح تعليم الطفل أن له وطناً وتاريخاً وشخصية مستقلة فعلاً من أفعال التحرر.
العربي التبسي…التعليم ميدان تضحية وجهاد
ثم جاء الشيخ العربي التبسي ليواصل المعركة نفسها, حيث كان الرجل يدرك أن تحرير الجزائر لا يمر فقط عبر مواجهة الجندي الفرنسي، وإنما عبر بناء إنسان جزائري يعرف دينه ولغته وتاريخه ووطنه.
وتذكر دراسة أكاديمية عن شخصيته أنه كان من أبرز رموز الإصلاح والجهاد ضد الاستعمار الفرنسي، وأنه أسس مدارس عربية إسلامية وساهم في نشر الوعي الديني والوطني ومقاومة التغريب، كما شارك في دعم الثورة التحريرية.
وكان خطابه واضحاً في ربط التعليم بالمقاومة, وقد نقلت مصادر تاريخية عنه قوله مخاطباً الشعب الجزائري:
«فلن يضيع شعب حافظ على لغته وقوميته»
وكان يرى في المعهد والمدرسة ميداناً للتضحية والجهاد، حتى إن المصادر التي تناولت سيرته تؤكد أن فرنسا أدركت خطورة تأثيره، قبل أن يُختطف سنة 1957 ويختفي مصيره بعد ذلك.
لم يكن العربي التبسي يحمل بندقية في المدرسة, لكنه كان يصنع رجالاً يعرفون لماذا يقاتلون.
الأمير عبد القادر…المقاومة ليست غضباً بل بناء دولة
وقبل هؤلاء جميعاً، كان الأمير عبد القادر قد فهم أن مقاومة الاحتلال لا تعني مجرد الاشتباك مع الجيش الفرنسي.
لقد حاول بناء دولة ومؤسسات وجيش منظم ومصانع للأسلحة وحصون ومراكز للتعليم.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن مشروعه جمع بين المقاومة العسكرية والتنظيم السياسي والإصلاح والتعليم، وأنه سعى إلى بناء مجتمع قادر على الصمود أمام الاحتلال. كما أظهرت دراسات أكاديمية أن التعليم كان جزءاً من مشروعه المقاوم، لأنه أدرك أن الوعي الوطني عنصر أساسي في مواجهة الاستعمار.
وهذا درس بالغ الأهمية فالمقاومة الحقيقية لا تكتفي بمنع المحتل من دخول الأرض، بل تبني الإنسان القادر على حماية الأرض بعد رحيله.
من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال الثقافي
عندما ننظر إلى تاريخ الجزائر من هذه الزاوية، نفهم أن الاستعمار الفرنسي لم يكن مشروعاً عسكرياً فقط.
لقد كانت هناك سياسات مرتبطة بالتعليم واللغة والإدارة والثقافة والتاريخ والدين.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن الإدارة الاستعمارية استهدفت منذ بداية الاحتلال المقومات الثقافية والحضارية للمجتمع الجزائري، وشملت هذه السياسات المساجد والمدارس والزوايا والعلماء.
ولهذا اختار علماء الجزائر المواجهة من أكثر من جبهة:
ابن باديس واجه بالمدرسة.
الميلي واجه بالتاريخ.
الإبراهيمي واجه بالفكر والكلمة.
العربي التبسي واجه بالتربية والوعي والتنظيم.
والأمير عبد القادر واجه بالسلاح وبناء الدولة.
كانت الوسائل مختلفة، لكن الهدف كان واحداً: “ألا يتحول الجزائري إلى نسخة من المستعمر”.
لماذا تبقى مقولة الإبراهيمي صالحة اليوم؟
هنا تكمن القيمة الحقيقية للصورة التي نقرأها اليوم, فالإبراهيمي لم يقل إن الاستعمار سيعود بالضرورة بجنوده, بل حذر من بقائه في المصالح والألسنة والقلوب.
وهذا يعني أن أخطر ما يمكن أن يفعله الاستعمار بعد رحيله هو أن يترك وراءه منظومة تجعل بعض أبناء البلد ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أقل قيمة، وإلى تاريخهم باعتباره عبئاً، وإلى لغتهم باعتبارها تخلفاً، وإلى ثقافتهم باعتبارها عائقاً أمام “الحداثة”, و هو اوتر الذي لا يزال عليه المستعمر مستعملا أذنابه.