ما قل ودل

من الكولونيل بن داود إلى صنصال وداود و غيرهم…خسروا الوطن ولم يكسبوا المستعمر

شارك المقال

هناك دروس في التاريخ لا تحتاج إلى خطب طويلة، ولا إلى شعارات سياسية، بل يكفي أن نستحضر أصحابها لنفهمها.

ومن أكثر العبارات التي التصقت بالذاكرة الشعبية الجزائرية عبارة: “عربي.. عربي ولو كنت الكولونيل بن داود”، وهي عبارة تختزل مأساة رجل حاول أن يصعد داخل منظومة استعمارية إلى أعلى المراتب، وأن يثبت أنه قادر على أن يكون فرنسياً أكثر من الفرنسيين، قبل أن تظل هويته الأصلية، في نظر المجتمع الاستعماري، حاجزاً لا تستطيع الرتب ولا الأوسمة ولا الجنسية أن تمحوه.

محمد بن داود…أول جزائري وصل إلى سان سير

ولد محمد بن داود سنة 1837 بمنطقة بورشاش بالغرب الجزائري، وكان ابن السيد محمد بن داود، آغا الدواير.

دخل التعليم في الجزائر، ثم التحق سنة 1855 بالمدرسة العسكرية الفرنسية الشهيرة سان سير بصفة تلميذ أجنبي، قبل أن يتخرج منها ضابطاً سنة 1858. وتذكر المصادر التاريخية أنه كان أول جزائري يلتحق بسان سير، ومن أوائل الضباط الأهالي في الجيش الفرنسي.

ثم بدأ مساراً عسكرياً لافتاً داخل الجيش الفرنسي، وشارك في حملة إيطاليا سنة 1859، كما شارك في الحرب الفرنسية الألمانية سنة 1870 وهو برتبة قبطان. وتدرج في المؤسسة العسكرية الفرنسية إلى أن بلغ رتبة عقيد، قبل أن يحصل على الجنسية الفرنسية.

كان ذلك في الظاهر انتصاراً لفكرة الاندماج, كيف لا و هو أول جزائري يدخل واحدة من أشهر المدارس العسكرية الفرنسية، ويتقن لغة المستعمر، ويرتدي زيه العسكري، ويصعد في سلم الرتب حتى يصبح عقيداً.

وهم “الاندماج”…حدود لا تراها إلا عندما تصل إليها

في القرن التاسع عشر، حاولت الإدارة الاستعمارية الفرنسية إنتاج نماذج من النخب الجزائرية التي تتبنى اللغة والثقافة والنمط السياسي والعسكري الفرنسي.

وكانت هناك دائماً مفارقة كبرى: فرنسا الاستعمارية كانت قادرة على تعليم الجزائري وإدخاله جيشها، بل ومنحه الجنسية في بعض الحالات، لكنها لم تكن مستعدة بسهولة لمحو البنية الاستعمارية التي تفصل بين الأوروبي و شخص من “الأهالي”.

فقد يستطيع الإنسان أن يتحدث لغة الآخر، وأن يرتدي ملابسه، وأن يحمل جنسيته، وأن يتقلد أعلى الرتب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المجتمع الاستعماري سيتعامل معه باعتباره مساوياً للأوروبي.

الحكاية الشهيرة…بين الرواية الشعبية والتوثيق

تروي روايات جزائرية متداولة أن بن داود حضر حفلاً أقامه الفرنسيون، وأنه، رغم رتبته العسكرية وجنسيته الفرنسية، تعرض لنظرة احتقار بسبب أصله الجزائري، وأن هذه التجربة كانت وراء العبارة الشهيرة المنسوبة إليه: “عربي.. عربي ولو كنت الكولونيل بن داود”.

حيث تشير المصادر التاريخية أن المعني توفي منتحرا في الأول من جويلية 1912، بعد حياة امتدت خمسة وسبعين عاماً تقريباً، وقد بقي اسمه حاضراً في الكتابات المتعلقة بالضباط الجزائريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي.

من بن داود إلى عملاء من زمن آخر

بعد أكثر من قرن، ما زال سؤال العلاقة بين النخب الجزائرية العميلة والغرب يثير نقاشاً واسعاً.

اليوم لا نتحدث عن ضابط من الأهالي الذي ارتدى الزي العسكري الفرنسي، وإنما عن كتاب ومثقفين ونخب تعيش في فضاء ثقافي وسياسي فرنسي، وتصبح بعض مواقفها تجاه الجزائر موضوعاً للجدل، خصوصاً عندما تنتقل من النقد المشروع للسلطة والمجتمع و أصول الدين إلى مواقف تُفسر باعتبارها مساساً بالسيادة الوطنية أو بالتاريخ والذاكرة الوطنية.

ومن بين الأسماء التي أثارت جدلاً واسعاً في السنوات الأخيرة بوعلام صنصال وكمال داود.

فقد أصبح العميل الأول مواطناً فرنسياً الذي سحبت منه جنسيته الجزائرية سنة 2024، بسبب موقفه اتجاه البلد لذي احتضن و مد يد العون له, أين إضافة إلى انبطاحه لمستعمر الأمس شكك حتى في رقعة جغرافية بلد تعّلم و عالج فيه بالمجان, ليجازى بنكران الجميل من إمبراطورية “بولوري” الإعلامية التي لم تتركه لشأنه حتى أضحكت عليه المتفرجين على سيرك العملاء.

أما كمال داود، فقد ظل أحد أبرز الكتاب الجزائريين المقيمين في فرنسا، وفاز بجائزة غونكور سنة 2024 عن روايته “حوريات” التي إضافة إلى سرقة محتواها طعن هو الآخر في كل ما هو جزائري لإرضاء أسياده الجدد الذين بقوا يتفرجون عليه في سيرك العمالة.

و هنا يطرح إشكال العمالة المجانية نفسه “إلى أي حد يستطيع المثقف العميل أن يعيش داخل فضاء ثقافي أجنبي، وأن يحافظ في الوقت نفسه على استقلال نظرته إلى وطنه وتاريخه وذاكرته؟”.

فالتاريخ الجزائري مليء بأمثلة أكثر وضوحاً من صنصال و داود و بن داود و من أمثالهم ممن اختاروا صف المستعمر ضد أبناء وطنهم، من القياد والباشاغات الذين ارتبطوا بالإدارة الاستعمارية إلى الذين شاركوا في قمع المقاومات الشعبية, وصولا إلى من باعوا شرفهم العلمي و حتى العسكري في سبيل إرضاء ما لا و لن يمكن إرضاؤهم.

فمعظمهم تعاون لأسباب مصلحية،وبعضهم اعتقد فعلاً أن فرنسا يمكن أن تكون مشروعاً لمستقبل لامع لهم، وبعضهم كان يبحث عن النفوذ والثروة.

فالخيانة ليست في تعلم لغة أجنبية، ولا في الدراسة في فرنسا، ولا في الحصول على جنسية أخرى، ولا في الكتابة بلغة أجنبية.

الخيانة تبدأ عندما تتحول المصلحة الشخصية إلى مبرر للإضرار المتعمد بالوطن، أو عندما يصبح تاريخ البلاد وسيادتها وذاكرتها مجرد أوراق تُستخدم للحصول على رضى الخارج.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram