في 16 ماي 1843، لم تسقط مدينة عادية.. سقطت “عاصمة متنقلة” للأمير عبد القادر، وسقط معها آلاف النساء والأطفال والشيوخ في قبضة الجيش الفرنسي
في صباح 16 ماي 1843، كانت منطقة طاقين “جنوب شرق قصر الشلالة” على موعد مع واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ مقاومة الأمير عبد القادر للاستعمار الفرنسي.
كانت الزمّالة تستيقظ على يوم يبدو عادياً في حياة مدينة متنقلة: عائلات، نساء، أطفال، شيوخ، أتباع، موظفون، حرفيون ومقاتلون. لم تكن الزمّالة مجرد مخيم عسكري، بل كانت بمثابة عاصمة متنقلة لدولة الأمير عبد القادر، تضم عائلات القبائل المرتبطة به ومخازنه وورشاته ومؤسساته.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن تعداد سكانها كان بعشرات الآلاف، فيما كانت القوة العسكرية المكلفة بحمايتها محدودة مقارنة بحجم التجمع. وفي 16 ماي، باغتت قوات الأمير الدوق دومال، مدعومة بسلاح الفرسان، الزمّالة قرب عين طاقين، مستفيدة من عنصر المفاجأة. وتذكر مصادر تاريخية فرنسية أن نحو ثلاثة آلاف شخص وقعوا في الأسر، بينما قتل نحو ثلاثمائة من المدافعين.
لكن الأرقام وحدها لا تستطيع أن تروي المأساة, فبين آلاف الأسرى كانت هناك نساء وأطفال وشيوخ وأفراد من عائلات القادة وأتباع الأمير.
وهنا تبدأ قصة أخرى، أقل حضوراً في الذاكرة العامة من قصة المعركة نفسها: قصة الأسر والنفي والاقتلاع من الوطن.
الزمّالة…الحرب استهدفت مجتمعاً بأكمله
تكمن أهمية سقوط الزمّالة في أنها لم تكن مجرد موقع عسكري, فالباحث الفرنسي كزافييه ياكونو خصص دراسة أكاديمية كاملة لمصير أسرى الزمّالة، ونشرها سنة 1973 في Revue de l’Occident musulman et de la Méditerranée. ويشير في مقدمة دراسته إلى أن المؤرخين تناولوا سقوط السمّالة بالتفصيل، لكن مصير الأسرى الذين بقوا في أيدي الفرنسيين لم يحظ بالاهتمام نفسه. وقد اعتمد في بحثه على ملفات من الأرشيف الوطني الفرنسي.
فالتاريخ لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة انتصار عسكري أو هزيمة عسكرية، وإنما يجب أن يسأل أيضاً: ماذا حدث للناس الذين بقوا بعد المعركة؟
من طاقين إلى جزيرة سانت مارغريت
كان من بين الأسرى الذين نقلوا إلى فرنسا عدد من أفراد عائلات الشخصيات المقربة من الأمير عبد القادر.
وتظهر الوثائق التي درسها ياكونو تفاصيل دقيقة عن إحدى عمليات النقل الأولى إلى جزيرة سانت مارغريت. ففي 22 جوان 1843 وصل إلى الجزيرة 290 شخصاً، بينهم 49 رجلاً و113 امرأة و49 طفلاً بين 18 شهراً و15 سنة، و40 رضيعاً دون 18 شهراً، إضافة إلى 39 من الخدم.
وفي 9 أوت من السنة نفسها، نقلت سفينة أخرى 186 أسيراً إضافياً إلى الجزيرة، وكان بينهم أفراد مرتبطون مباشرة بحاشية الأمير, وهكذا لم تعد الحرب تجري في سهول الجزائر فقط, بل عبرت االحرب ضفاف البحر الأبيض المتوسط, وانتقلت العائلات من خيام الزمّالة إلى جدران قلعة في جزيرة بعيدة عن الوطن.
فرنسا تنتقم من أتباع الأمير بسجنهم في جزيرة
كانت جزيرة سانت مارغريت قبالة مدينة كانّ مركزاً للاحتجاز الاستعماري لعدد كبير من الأسرى الجزائريين.
وتشير بلدية كانّ، استناداً إلى قائمة اسمية أعدتها المؤرخة أنيسة بوعيد سنة 2019 اعتماداً على عدة مجموعات أرشيفية، إلى أن 274 سجيناً مسلماً توفوا أثناء احتجازهم في الجزيرة بين 1842 و1883، ودفنوا في المقبرة الإسلامية هناك.
وهذا الرقم يحتاج إلى توضيح مهم: فهو لا يعني أن جميع الـ274 كانوا من أسرى الزمّالة وحدهم؛ بل يتعلق بمجموع السجناء المسلمين الذين توفوا في الجزيرة خلال تلك الفترة.
وتشير مصادر أخرى إلى أن آلاف الجزائريين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، مروا عبر هذا المكان خلال عقود من الاحتلال، وأن أفراداً من زمّالة الأمير عبد القادر كانوا من بينهم.
لقد أصبحت الجزيرة، بذلك، جزءاً من جغرافيا النفي الاستعماري, في مفارقة استعماارية ليست غريبة على فرنسا التي احتلت أرض جزائرية و أفرغت سكانها نحو الضفة الأخرى من المتوسط، أين تم حجزهم بعيداً عن عائلاتهم وأرضهم.
ذاكرة يستوجب الوقوف عندها
اليوم، توجد في جزيرة سانت مارغريت مقبرة إسلامية تضم قبور هؤلاء الذين ماتوا في الأسر.
وقد أعيد توثيق أسماء الـ274 المتوفين في قائمة اسمية حديثة، بعد أن ظلت الذاكرة المادية لهذه المقبرة مهددة بالنسيان.
وهنا تفرض الذاكرة سؤالاً بسيطاً: ماذا يعني أن يموت إنسان بعيداً عن وطنه، ثم يدفن دون أن يعرف أحفاده مكان قبره؟
إنها ليست مجرد أرقام في سجل عسكري, فكل اسم كان إنساناً له أم وأب وأبناء وإخوة وذكريات وبيت وأرض وله وطن كان قد خرج منه بالقوة.
الأمير عبد القادر نفسه تعرض للأسر
أما الأمير عبد القادر، فلم يكن مصيره أفضل, فبعد سنوات طويلة من المقاومة، اضطر إلى إلقاء السلاح في ديسمبر 1847، على أساس ضمانات فرنسية تسمح له بالذهاب إلى أرض إسلامية.
وتؤكد وثائق قصر أمبواز أن الاتفاق كان يقضي بالسماح له بالتوجه إلى أرض إسلامية، لكن السلطات الفرنسية لم تلتزم بذلك، فاقتيد الأمير أولاً إلى طولون ثم إلى حصن بو، قبل أن يصل مع عائلته وحاشيته إلى أمبواز في نوفمبر 1848.
هناك، في قلب فرنسا، وجد قائد المقاومة الجزائرية نفسه سجيناً, لم يكن الأمر مجرد اعتقال لرجل واحد, فقد رافقته عائلته وحاشيته، وبلغ عدد المجموعة التي عاشت معه في أمبواز نحو ثمانين شخصاً بحسب المصادر الرسمية للقصر.
وكانت السنوات الأربع في الأسر قاسية، خصوصاً في بدايتها، بسبب المناخ والمرض وظروف الإقامة.
25 شخصاً ماتوا في أمبواز
تخبرنا ذاكرة أمبواز نفسها اليوم بما حدث. ففي المكان الذي عاش فيه الأمير عبد القادر سجنه، يوجد “حديقة الشرق”، وهي مقبرة تذكارية أنشئت سنة 2005 تخليداً لـ25 شخصاً من أفراد حاشيته الذين توفوا أثناء الأسر.
وتحمل الحديقة 25 شاهدة من حجر حلب، على كل واحدة منها اسم أحد المتوفين، كما نقشت عليها آيات قرآنية, وهذه حقيقة موثقة لا تحتاج إلى مبالغة.
فخمسة وعشرون من رفاق الأمير لم يعودوا إلى الجزائر, و ماتوا في فرنسا, ودُفنوا في الأرض التي وصلوا إليها أسرى.
و تكشف وثائق أمبواز أن الأمير لم يُفرج عنه إلا في 16 أكتوبر 1852، عندما جاء لويس نابليون بونابرت شخصياً لإبلاغه بإنهاء الأسر.
وكانت هذه اللحظة مرتبطة مباشرة بإقرار فرنسي بأن التعهد الذي قُدم للأمير عند استسلامه لم يُحترم.
بل إن خطاب لويس نابليون عند إطلاق سراحه تضمن اعترافاً واضحاً بأن الحكومة السابقة لم تلتزم بالتعهد الذي قطعته للأمير.
وهنا تتجلى مفارقة تاريخية شديدة الدلالة: الرجل الذي حارب فرنسا سنوات طويلة لم يُهزم فقط في ميدان المعركة؛ بل وجد نفسه أيضاً ضحية لوعد سياسي لم يُنفذ.
العدو اعتقد بأنها ستكون نهايته…الأمير تفوق على أمبواز و خرج حرا
من الخطأ اختزال السنوات التي قضاها الأمير في أمبواز في صورة واحدة, فالمصادر الفرنسية الرسمية تشير إلى أن الأمير، مع مرور الوقت، أقام علاقات مع سكان المدينة، وأصبح محل احترام لدى العديد من الفرنسيين، كما ارتبط اسمه لاحقاً بصورة رجل دين ومفكر وقائد مقاومة يحظى بالتقدير.
و من المفارقات أن أمبواز أصبحت اليوم مكاناً يحتفي بذكرى الأمير عبد القادر, فهناك نصب تذكاري, وهناك حديقة الشرق, وهناك 25 شاهد قبور بأسماء الذين ماتوا في الأسر, وهناك زوار يتوقفون أمام هذه الأسماء, وهذا أمر إيجابي من حيث حفظ الذاكرة.
لكن الذاكرة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مشهد سياحي, فالاسم المحفور على الحجر يخبرنا أن الاستعمار لم يكن مجرد فصل عسكري في كتاب تاريخ, كان اقتلاعاً للبشر, وكان ترحيلاً للأسر, وكان تفكيكاً لعائلات, وكان موتاً في المنفى.
لذا فإن سقوط الزمّالة في 16 ماي 1843 لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره انتصاراً عسكرياً فرنسياً على قوات الأمير عبد القادر, لقد كان سقوطها ضربة لمجتمع كامل.
فالزمّالة كانت مركزاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً متحركاً، ولهذا فإن استهدافها كان استهدافاً لبنية الدولة التي حارب الأمير لتشييد أسس بناءها, وقد فهم الفرنسيون ذلك جيداً, ولهذا لم يكن الهدف القبض على المقاتلين وحدهم, كان الهدف تفكيك البيئة البشرية والسياسية التي كانت تمنح مقاومة الأمير القدرة على الاستمرار.