شهدت الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية واحدة من أشرس المحاولات التاريخية لطمس مقومات الهوية الوطنية، حيث عملت الإدارة الاستعمارية بكل ثقلها المؤسسي والتعليمي على فرض حصار شامل ضد اللغة العربية والدين الإسلامي. ولم تكن تلك السياسات مجرد إجراءات إدارية، بل كانت مخططاً ممنهجاً يهدف إلى اقتلاع الشعب الجزائري من جذوره الحضارية والتاريخية، وجعله تابعاً للثقافة الاستعمارية عبر محاربة لغته الأم ومحاولة إحلال لغة أخرى مكانها.
ولتحقيق هذه الغايات، فرضت السلطات الاستعمارية قيوداً صارمة على التعليم الأصيل؛ فكان مجرد وجود دفتر مكتوب بالحرف العربي بحوزة طالب أو مدرس جريمة تتوجب العقاب السريع بالحرمان والطرد، وصولاً إلى الملاحقة الأمنية والتضييق المشدد. لقد تعاملت الإدارة الاستعمارية مع المخطوطات والكتب العربية وكأنها “ممنوعات” تهدد أمن وجودها، سعياً منها لتجهيل المجتمع وفصله عن لغته التي تزخر برصيد لغوي ومعرفي هائل، واختزال لسانه في مفردات هجينة مبتدعة تساعده فقط على تسيير شؤون الحياة اليومية تحت مظلة السيطرة الاستعمارية.
أمام هذا البطش المحكم وتضييق الخناق، لم يستسلم المجتمع الجزائري، بل ابتكر أساليب استثنائية للمقاومة الثقافية والدينية لحماية موروثه الذي ينحدر من عهد الفتوحات الإسلامية. فهرب الجزائريون بدينهم ولغتهم نحو الأعماق، حيث شيّدوا الكتاتيب والزوايا والمساجد السرية تحت الأرض “أحد مصليات لبيض أنموذجا”، وفي المغارات والقرى النائية و على قمم الجبال بعيداً عن أين سطو ل”محاكم التفتيش” الاستعمارية. وهناك، استمرت الكتاتيب السرية بقيادة الشيوخ والأعيان والأمهات في تعليم القرآن الكريم وتدريس مبادئ العربية للأجيال المتعاقبة بعيداً عن أعين الرقابة.
إن هذا الانكفاء نحو السرية والتخفي لم يكن هروباً عادياً أو استسلاماً لواقع التهميش، بل كان بمثابة “ارتداد استراتيجي للوراء” شُحنت فيه النفوس بالوعي والهوية، استعداداً لقفزة تاريخية حاسمة. وتمثلت تلك القفزة في اندلاع الثورة التحريرية المجيدة، التي لم تكن مجرد كفاح مسلح لاسترجاع الأرض، بل كانت أيضاً ثورة ثقافية وسيادية هدفها الأسمى استعادة مقومات الشخصية الوطنية واللغة الأم.
وقد تكّرس هذا الارتباط المبدئي والوجداني باللغة العربية في الذاكرة الشعبية والفنية الجزائرية؛ حيث صدحت أصوات الفنانين والشهداء معبرة عن الامتداد الراسخ للهوية، كقول الفنان الراحل عبد الرحمن عزيز في قصيدته الخالدة: “يا محمد مبروك عليك…الجزاير رجعت ليك”، لتظل هذه الكلمات شاهداً حياً على أن إرادة الشعوب في الحفاظ على لسانها وعقيدتها أقوى من كل آلات المحو والتغريب.