كشفت اعترافات بثها التلفزيون العمومي الجزائري ضمن وثائقي حمل عنوان “منظمة ماك الإرهابية.. فشل آخر لأجندتها التخريبية”، عن تفاصيل قالت السلطات إنها مرتبطة بمخطط استهدف التشويش على الانتخابات التشريعية التي جرت في 2 جويلية الماضي، خصوصاً بمنطقة القبائل، عبر التحريض على مقاطعة الاستحقاق ومحاولة التأثير في سير العملية الانتخابية.
وبحسب ما ورد في الوثائقي الذي بثته وسائل الإعلام الوطنية، فقد تم توقيف ستة أشخاص وتقديم اعترافات منسوبة إليهم، بينهم أربعة مغاربة يقيمون في الجزائر بصفة غير قانونية، قالت السلطات إنهم كانوا ينشطون خلال الفترة الانتخابية في إطار مخطط يستهدف المساس باستقرار البلاد ووحدتها.
وتشير الرواية التي قدمها الوثائقي إلى أن المخطط لم يكن قائماً فقط على نشاط ميداني، وإنما اعتمد بدرجة كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، التي تحولت، وفق الاعترافات المعروضة، إلى فضاء لتنظيم لقاءات مغلقة وتبادل التعليمات والدعاية والتحريض على مقاطعة الانتخابات.
“واتساب” ومنصات التواصل في قلب المخطط
من بين الاعترافات التي تضمنها الوثائقي، تحدث المدعو حكيم حمامة، المنحدر من ولاية تيزي وزو، عن اتصالات أجراها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مع عناصر من تنظيم «الماك» المقيمين في الخارج، من بينهم بوعلام أفير وزهير عبدلي المعروف باسم «لاس آت موسى» وحسان آت عمر والي.
وبحسب ما نُقل عنه، فقد كان الهدف من هذه الاتصالات الدفع باتجاه مقاطعة الانتخابات التشريعية في منطقة القبائل.
كما تحدث حمامة عن نشاطه ضمن مجموعات مغلقة على تطبيق «واتساب»، باستخدام رقم أجنبي، إلى جانب مشاركته في لقاءات افتراضية مع أشخاص مقيمين خارج الجزائر، من بينهم أكسيل بلعباسي وجمال قويري وأزواو آث قاسي.
وتكشف هذه المعطيات، في حال ثبوتها قضائياً، عن تحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها التنظيمات السياسية أو الانفصالية المتطرفة في إدارة نشاطها، خصوصاً عندما تكون عناصرها وقياداتها موزعة بين عدة دول.
من التحريض الإلكتروني إلى محاولة التأثير في الانتخابات
الأخطر في القضية، وفق الرواية التي قدمها الوثائقي، أن النشاط لم يتوقف عند نشر مضامين سياسية أو دعائية، وإنما وصل إلى محاولة التأثير المباشر في المشاركة الانتخابية.
وقال حمامة، وفق الاعترافات التي بثت، إنه تلقى تعليمات من أعضاء في حركة «الماك»، من بينهم فرحات مهني، تقضي بـ«مقاطعة ومنع مسار» الاستحقاق الانتخابي في منطقة القبائل.
وهنا تبرز أهمية القضية من زاوية أمنية وسياسية، إذ إن استهداف الانتخابات لا يعني فقط محاولة التأثير في نتائجها، وإنما يمكن أن يمثل، إذا ثبتت الاتهامات أمام القضاء، محاولة لضرب الثقة في العملية الانتخابية ومؤسسات الدولة وإحداث حالة من التوتر داخل المجتمع.
فالانتخابات، بصرف النظر عن المواقف السياسية منها، تمثل إحدى الآليات الأساسية للتعبير السياسي، وتحويلها إلى ساحة للفوضى أو العنف أو الإكراه يفتح الباب أمام زعزعة الاستقرار الداخلي.
المال والتحركات العابرة للحدود
جانب آخر أثارته الاعترافات التي عرضها الوثائقي يتعلق بمصادر التمويل وطبيعة العلاقات مع عناصر موجودة خارج الجزائر.
وبحسب ما جاء في الشهادات التي بثتها وسائل الإعلام الوطنية، تحدث المدعو فاتح كريم عن وجود شبكة عملت على توفير أموال لعناصر ناشطة في الجزائر، وعن دور مهاجرين مغاربة يقيمون بطريقة غير قانونية في الجزائر في هذا النشاط.
كما تحدث، وفق الوثائقي، عن خلية قال إنها ضمت جمال أزعيم وزرقاق الهادي وأكسيل بلعباسي، وأن نشاطها تمثل في نشر مضامين تحريضية وانفصالية.
وتطرح هذه المعطيات، إذا ما أثبتتها التحقيقات القضائية، مسألة التمويل الخارجي للنشاطات التي تستهدف الاستقرار السياسي والأمني، وهي مسألة تتجاوز بعدها الداخلي لتأخذ بعداً إقليمياً، خصوصاً عندما تكون الاتصالات والأموال والأفراد موزعة بين أكثر من دولة.
مغاربة بين الهجرة والنشاط السياسي
من أكثر الجوانب إثارة للانتباه في الوثائقي شهادات الأشخاص المغاربة الذين ظهروا فيه.
فقد تحدث محمد الحر، المنحدر من إقليم قلعة السراغنة بمراكش، عن ظروف دفعته، بحسب أقواله، إلى مغادرة المغرب والتوجه إلى الجزائر، متحدثاً عن صعوبات اقتصادية واجتماعية قال إنه عانى منها في بلده.
كما قدم كل من حميد كطوع ومحمد مساعد وخالد الزهيري روايات متقاربة، وفق الوثائقي، حول دوافع انتقالهم إلى الجزائر، وربطوها بالبحث عن فرص أفضل للعيش والهروب من ظروف وصفوها بالصعبة.
غير أن الوثائقي قدم هذه الشهادات في سياق أوسع، باعتبار أن بعض هؤلاء الأشخاص لم يكتفوا بالإقامة غير الشرعية، وإنما تورطوا، وفق الرواية الرسمية، في أنشطة مرتبطة بتنظيم «الماك».
وهنا ينبغي التفريق بين المهاجر غير النظامي بحد ذاته وبين التورط في نشاط إجرامي أو سياسي غير مشروع؛ فصفة الهجرة غير الشرعية لا تعني تلقائياً الانتماء إلى تنظيم أو المشاركة في مخطط يستهدف الدولة.
اعترافات بالندم ورسالة إلى الشباب
من بين أكثر المقاطع دلالة في الوثائقي، تلك التي تضمنت ما وصف بأنه نبرة ندم وحسرة من بعض الأشخاص الذين أدلوا باعترافاتهم.
فقد قال حكيم حمامة وفاتح كريم، وفق ما بثته وسائل الإعلام، إنهما انجرا وراء ما وصفاه بـ«أجندة كاذبة ومتطرفة»، وأنهما وقعا تحت تأثير خطاب مضلل قدمته حركة «الماك».
كما وجها رسالة إلى الشباب، دعوا فيها إلى الحذر من الانخراط في النشاطات التي تستهدف وحدة الجزائر واستقرارها.
وتحمل هذه الشهادات بعداً آخر يتعلق بالحرب على الوعي، إذ إن الصراع السياسي في عصر المنصات الرقمية لم يعد يجري فقط عبر البيانات والخطب، بل أصبح يعتمد على التأثير النفسي، وصناعة المحتوى، واستقطاب الشباب، وإنشاء المجموعات المغلقة، وتوجيه الرسائل السياسية بعيداً عن الرقابة المباشرة.
القبائل…محاولة استهداف منطقة حساسة
يكتسب الحديث عن منطقة القبائل حساسية خاصة بالنظر إلى خصوصيتها التاريخية والثقافية والاجتماعية داخل الجزائر.
وأي محاولة لتوظيف هذه الخصوصية في مشروع يستهدف تقسيم المجتمع أو ضرب وحدة الدولة يمكن أن تتحول إلى مصدر توتر داخلي خطير.
لكن مواجهة الخطابات الانفصالية لا يمكن أن تقوم على المقاربة الأمنية وحدها؛ إذ تحتاج أيضاً إلى تحصين المجتمع سياسياً وثقافياً وإعلامياً، وقطع الطريق أمام خطاب الكراهية والتضليل، مع احترام حقوق المواطنين وحرياتهم في إطار القانون.
فالخطاب الانفصالي لا ينتشر فقط بسبب وجود من يروّج له، وإنما يمكن أن يجد مساحة عندما يستغل مشكلات اجتماعية أو اقتصادية، ثم يعيد تفسيرها ضمن رواية تدفع نحو القطيعة والصدام.
الحرب الجديدة…السيطرة على العقول قبل الشوارع
تكشف هذه القضية، بعيداً عن تفاصيلها القضائية التي تبقى من اختصاص العدالة، عن طبيعة جديدة للصراعات السياسية والأمنية.
فالمعركة لم تعد بالضرورة تبدأ بالسلاح.
قد تبدأ بمنشور على «فيسبوك»، أو رسالة في مجموعة مغلقة، أو حساب مجهول، أو مقطع فيديو قصير، ثم تتطور إلى حملة منظمة تستهدف الانتخابات أو مؤسسات الدولة أو ثقة المواطنين.
وهذا ما يجعل الأمن الرقمي والأمن المعلوماتي جزءاً أساسياً من الأمن الوطني.
فالدولة التي تستطيع حماية حدودها البرية والجوية والبحرية، لكنها تترك فضاءها الرقمي مفتوحاً أمام عمليات الاستقطاب والتضليل والتجنيد، تظل معرضة لأشكال جديدة من التهديد.
معركة الوعي لأجل مواجهة الحروب الهجينة
في نهاية المطاف، فإن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس فقط وجود مخطط أو شبكة أو أفراد، وإنما الحاجة إلى بناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين النشاط الذي يتحول إلى تحريض على العنف أو التخريب أو المساس بوحدة الدولة.
كما أن مكافحة أي تنظيم مصنف إرهابياً ينبغي أن تتم في إطار القانون، وبالاعتماد على الأدلة والتحقيقات والأحكام القضائية، حتى تبقى المواجهة قائمة على مؤسسات الدولة وليس على الاتهامات الإعلامية وحدها.
فالجزائر، مثل غيرها من الدول، تواجه اليوم تحديات تتجاوز حدود الأمن التقليدي، لتشمل أمن المعلومات، والتأثير الخارجي، والحرب النفسية، والتجنيد الرقمي، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي.
وبينما تكشف الاعترافات التي بثها الوثائقي عن جانب من هذه التحديات، يبقى الرهان الأكبر هو تحصين المجتمع الجزائري من محاولات استغلال الانقسامات، وحماية المسار الانتخابي، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، ومواجهة أي مشروع يستهدف وحدة البلاد، مع ضمان أن تكون الكلمة الفصل للقانون والقضاء.
ففي زمن الحروب الهجينة، لم تعد معركة الجزائر فقط على الأرض، وإنما أصبحت أيضاً معركة على الوعي، وعلى العقول، وعلى قدرة المواطن على معرفة الحقيقة وسط سيل غير مسبوق من المعلومات والدعاية والتضليل.