أثناء تصفحي لإحدى تصريحات الشيخ البشير الإبراهيمي خلال لقاء دبلوماسي عربي دعي إليه في بداية الخمسينات و التي أثار فيها النقاش حول الدور الحقيقي للأمم المتحدة في إدارة الأزمات الدولية، أين فتح الباب أمام سؤال ظل يتكرر منذ عقود: هل نجح النظام الدولي في إقامة منظومة عادلة تحمي الضعيف من القوي، أم أن ميزان القوة هو الذي سيحدد متى تتحرك الشرعية الدولية ومتى تكتفي بالمشاهدة وإصدار البيانات؟
هي تصريحات استشرافية صدح بها الشيخ الجليل سنوات فقط على إنشاء هذا الصرح الدولي يكون قد اختزل من خلالها مستقبلا قاتما تنبأ له لما صار و لا يزال يصير, أين لا يزال النظام الدولي يحتكم لقاعدة القوي يأكل الضعيف.
السؤال لا يتعلق بالتقليل من أهمية الأمم المتحدة، ولا بإنكار الأدوار الإنسانية والسياسية التي اضطلعت بها في مناطق كثيرة من العالم، وإنما يتعلق بالفجوة الكبيرة بين المبادئ التي تأسست عليها المنظمة الدولية وبين قدرتها الفعلية على فرض تلك المبادئ عندما تصطدم بمصالح الدول الكبرى.
فميثاق الأمم المتحدة يتحدث عن حفظ السلم والأمن الدوليين، واحترام سيادة الدول، وحماية حقوق الإنسان، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. لكن التجربة التاريخية أظهرت أن تطبيق هذه المبادئ لم يكن دائماً متساوياً، وأن مجلس الأمن، خصوصاً، ظل رهينة نظام يمنح خمس دول دائمة العضوية حق النقض “الفيتو”، بما يسمح لدولة واحدة بإسقاط مشروع قرار يحظى بتأييد الغالبية.
حنكة الإبراهيمي في تدويل القضية الجزائرية
تجلّت عبقرية الشيخ البشير الإبراهيمي الدبلوماسية في تعامله الواعي مع هيئة الأمم المتحدة بين عامي 1952 و1955؛ إذ سعى جنباً إلى جنب مع ممثلي الدول العربية والإسلامية—كالعراق وسورية—إلى خرق الحصار الفرنكوفوني وتدويل القضية الجزائرية في المحافل العالمية، مع إدراكه العميق لطبيعة الصراع والتوازنات الدولية. لقد خاض الإبراهيمي معركة فكرية وسياسية ضد المناورات الفرنسية التي حاولت تجريد القضية من بعدها التحرري وتسويقها زيفاً كـ “شأن داخلي” تحميه المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة. ولم تكن الاستعانة بالأمم المتحدة في فلسفته سوى منبر إعلامي ومنصة دبلوماسية للتعريف بحق الشعب الجزائري وفضح جرائم الاستعمار، بينما ظلّ رهانه الجوهري والوحيد ثابتاً على إرادة الشعب الميدانية وكفاحه المباشر. وبذلك، صاغ الإبراهيمي استشرافاً نقدياً مبكراً كشف من خلاله عجز المنظومة الأممية عن إنصاف الشعوب المظلومة كلما اصطدمت العدالة بمصالح القوى العظمى وحق النّقض.
البوسنة…مأساة “المناطق الآمنة”
ربما تكون البوسنة واحدة من أكثر الحالات التي كشفت الفجوة بين قرارات الأمم المتحدة وقدرتها على حماية المدنيين.
ففي عام 1993 أعلن مجلس الأمن بموجب القرار 824 سراييفو وتوزلا وزيبا وغورازده وبيهاتش وسريبرينيتسا مناطق آمنة، وطالب جميع الأطراف بوقف الهجمات واحترام تلك المناطق.
لكن إعلان منطقة ما “آمنة” لا يعني أنها أصبحت آمنة فعلياً إذا لم تكن هناك إرادة سياسية وعسكرية لحمايتها.
وجاءت سريبرينيتسا في جويلية 1995 لتصبح واحدة من أكثر الصفحات مأساوية في تاريخ الأمم المتحدة. فقد كانت المدينة مصنفة منطقة آمنة، وكانت قوات الأمم المتحدة موجودة في المنطقة، لكن المجزرة وقعت رغم ذلك.
واللافت أن الأمم المتحدة نفسها اعترفت لاحقاً بفشلها. فقد خصص الأمين العام تقريراً شاملاً لسقوط سريبرينيتسا، تناول فيه دور قوات الحماية الدولية، ودور مجلس الأمن والدول الأعضاء، وفشل المجتمع الدولي في فهم أهداف القوات الصربية، والدروس المستخلصة من المأساة.
وهنا يبرز السؤال: ما قيمة القرار الدولي إذا لم يجد قوة تحميه؟
الصومال…عندما تحركت الآلة الدولية
المفارقة تظهر بوضوح عند مقارنة البوسنة بالصومال, ففي الصومال، اتخذ مجلس الأمن قراراً أكثر حزماً. ففي ديسمبر 1992 أصدر القرار 794، الذي سمح باتخاذ الإجراءات اللازمة لإيجاد بيئة آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية، ووضع العملية تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وكانت العملية الدولية تهدف أساساً إلى تأمين المساعدات الإنسانية وحماية العاملين في المجال الإنساني. وكانت هناك قوات دولية على الأرض، ضمن ترتيبات ارتبطت بـUNOSOM وUNITAF.
وهنا لا تكمن القضية في القول إن تدخل الأمم المتحدة في الصومال كان خطأ، بل في طرح سؤال أوسع: لماذا تستطيع القوى الدولية في حالة معينة أن تحشد القوات والموارد وتفرض ترتيبات أمنية، بينما تبدو عاجزة أو مترددة في حالات أخرى أكثر دموية؟
إن الإجابة تقود في النهاية إلى طبيعة النظام الدولي نفسه، وإلى المصالح السياسية والاستراتيجية للدول الكبرى.
العراق…حرب بدأت رغم غياب تفويض جديد
أما العراق فيقدم مثالاً مختلفاً وأكثر وضوحاً على حدود سلطة الأمم المتحدة.
في مارس 2003 بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب على العراق من دون صدور قرار جديد من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة. وقد سجلت مناقشات مجلس الأمن في ذلك الوقت أن غالبية المتحدثين اعتبرت الحرب مخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، في حين دافعت الولايات المتحدة وبريطانيا عن العملية باعتبارها مستندة إلى قرارات سابقة.
وفي وقت لاحق، أكد الأمين العام السابق كوفي عنان أن الحرب لم تكن متوافقة مع ميثاق الأمم المتحدة، وأن شرعية العمل العسكري كانت موضع تساؤل واسع.
والأكثر دلالة أن قرار مجلس الأمن 1472 الصادر في مارس 2003، والمتعلق بتعديل برنامج “النفط مقابل الغذاء”، أوضح أن القرار الإنساني لا يمنح شرعية للعمل العسكري الذي كانت تقوم به قوات التحالف، ووصف تلك القوات بأنها قوات احتلال.
لكن السؤال الذي بقي مطروحاً هو: ماذا فعلت المنظومة الدولية لمنع الحرب؟
لقد بدا مجلس الأمن في تلك اللحظة عاجزاً عن وقف القوة العسكرية لدول كبرى، فتحول دور الأمم المتحدة من محاولة منع الحرب إلى التعامل مع نتائجها الإنسانية والسياسية.
فلسطين…الاختبار الأكبر للشرعية الدولية
إذا كان العراق قد كشف حدود قدرة الأمم المتحدة على منع حرب تشنها قوة عظمى، فإن فلسطين تكشف بصورة أكثر استمراراً أزمة مجلس الأمن عندما تتعارض القضية مع مصالح إحدى الدول الدائمة العضوية.
في غزة، ظهرت هذه الأزمة بصورة متكررة من خلال استخدام حق النقض.
ففي فبراير 2024 فشل مجلس الأمن في اعتماد مشروع قرار جزائري يطالب بوقف إنساني فوري لإطلاق النار، بعد استخدام الولايات المتحدة حق النقض. وقد حصل المشروع على تأييد 13 عضواً، بينما صوتت الولايات المتحدة ضده، مع امتناع عضو آخر عن التصويت.
وفي نوفمبر من العام نفسه، فشل مشروع آخر طالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار، بعدما استخدمت الولايات المتحدة الفيتو رغم حصوله على تأييد 14 عضواً.
وتكرر المشهد في جوان 2025، عندما صوتت الدول الأربع عشرة الأخرى في المجلس لصالح مشروع قرار يطالب بوقف دائم لإطلاق النار في غزة، لكن الفيتو الأميركي أسقطه.
بل إن الأزمة لم تتوقف عند وقف إطلاق النار، فقد فشل مجلس الأمن في أبريل 2024 في التوصية بقبول فلسطين عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة، بعد استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد مشروع قرار قدمته الجزائر وحصل على 12 صوتاً مؤيداً.
هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت 14 دولة من أصل 15 تؤيد قراراً يتعلق بحماية المدنيين ووقف الحرب، فهل يستطيع المجتمع الدولي أن يسمي نفسه منظومة متوازنة إذا كان صوت دولة واحدة قادراً على إسقاط القرار؟
ليست المشكلة في الأمم المتحدة وحدها
ومع ذلك، فإن تحميل الأمم المتحدة وحدها مسؤولية كل هذه الأزمات سيكون تبسيطاً للمشكلة.
فالأمم المتحدة لا تملك جيشاً مستقلاً بالمعنى التقليدي، كما أن مجلس الأمن ليس دولة عالمية فوق الدول. المنظمة تتحرك ضمن نظام دولي أنشأته الدول نفسها، والقوة الحقيقية تبقى موزعة بين القوى الكبرى.
المشكلة الأساسية تكمن في أن مجلس الأمن يجمع بين مبدأ المساواة بين الدول من جهة، وامتيازات الدول الخمس الدائمة العضوية من جهة أخرى.
ففي الجمعية العامة، تمتلك الدول أصواتاً متساوية من حيث المبدأ، لكن في مجلس الأمن يستطيع عضو دائم واحد أن يمنع قراراً تؤيده الأغلبية…وهذا هو جوهر الأزمة.
فالضعيف قد يحصل على عشرات القرارات الدولية المؤيدة لقضيته، لكنه لا يستطيع بالضرورة تنفيذها، بينما تستطيع دولة قوية، أو دولة تحظى بحماية قوة كبرى، أن تقاوم الضغوط الدولية لفترات طويلة.
هل نحن أمام “قانون دولي” أم “توازن دولي”؟
ربما يكون السؤال الأكثر واقعية هو: هل يحكم العالم القانون الدولي فعلاً، أم أن القانون الدولي يعمل داخل حدود يحددها توازن القوى؟
تجارب البوسنة والعراق وفلسطين والصومال تقدم إجابات مختلفة، لكنها تشترك في حقيقة واحدة: فعالية القرار الدولي لا تتحدد فقط بصياغة القرار، وإنما بوجود إرادة سياسية لدى القوى القادرة على تنفيذه.
وفي البوسنة، كان الإعلان عن مناطق آمنة أضعف من القدرة العسكرية على حمايتها.
وفي الصومال، وجد مجلس الأمن إرادة لتوفير قوة دولية تحت الفصل السابع في سياق إنساني وأمني محدد.
وفي العراق، بدأت الحرب رغم عدم وجود تفويض جديد باستخدام القوة من مجلس الأمن، ثم انتقلت الأمم المتحدة إلى معالجة تداعيات الحرب.
وفي فلسطين، اصطدمت محاولات وقف الحرب مراراً بحق النقض داخل مجلس الأمن.
تصريحات الشيخ البشير الإبراهيمي تفتح بابا للنقاش
من هنا تكتسب تصريحات الشيخ البشير الإبراهيمي أهميتها، ليس فقط باعتبارها موقفاً سياسياً أو فكرياً، وإنما لأنها تعيد طرح سؤال العدالة الدولية أمام الرأي العام العربي والدولي.
فالمطلوب ليس إلغاء الأمم المتحدة، بل إصلاحها.
فالعالم اليوم مختلف تماماً عن عالم عام 1945. ومع ذلك ما تزال بنية مجلس الأمن تعكس إلى حد كبير موازين القوة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية.
لقد تغيرت خريطة العالم، وظهرت قوى اقتصادية وسياسية جديدة، وأصبحت دول الجنوب أكثر حضوراً، بينما بقي حق النقض محصوراً في خمس دول.
ولهذا فإن إصلاح مجلس الأمن لم يعد مجرد مطلب دبلوماسي، بل أصبح مسألة مرتبطة بمصداقية النظام الدولي نفسه.