احتضن فندق الميريديان بوهران، مساء أمس، سهرة فنية استثنائية حملت اسم “كيرا كوميدي” في طبعتها الثانية، وسط حضور جماهيري لافت قارب ثلاثة آلاف متفرج، في عرض لعب ب”شبابيك مغلقة” ونجح في تحويل الخشبة إلى مساحة مفتوحة للضحك والتفاعل والارتجال.
ومنذ الدقائق الأولى، بدا واضحا أن الجمهور الوهراني جاء بحثا عن جرعة من الكوميديا المختلفة، ليجد أمامه سلسلة من العروض التي مزجت بين السخرية والواقع اليومي، وبين المواقف الاجتماعية والرسائل الهادفة. كما منح التفاعل الكبير ما بين الفنانين و الحضور من خلال مساحة واسعة للارتجال، ما أضفى على السهرة عفوية وحيوية جعلت كل لحظة فوق الركح قابلة للمفاجأة.
عندما يتحول الواقع الجزائري إلى مادة للضحك
استهل الفنان عبد الهادي حساين السهرة بعرض لامس واحدة من أكثر القضايا حضورا في الحياة اليومية، وهي صراع الأجيال داخل الأسرة الجزائرية، خصوصا في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي. ونجح في تصوير الأم وهي تتحول إلى “مراقب إلكتروني” لابنها، تتابع منشوراته وتقترح عليه الصفحات التي ينبغي متابعتها، في مشهد وجد فيه الجمهور نفسه بصورة ساخرة.
ولم يتوقف حساين عند هذا الحد، بل انتقل إلى موضوع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، مقدما رسالته حول ضرورة التعامل معها بحذر، ولكن بعيدا عن الخطاب المباشر، إذ اختار أن يجعل الضحكة مدخلا للفكرة.
أما قيار عبد الرحمن، فحوّل تجربته الشخصية مع الكرسي المتحرك إلى مادة كوميدية جريئة، متناولا أوضاع ذوي الهمم بطريقة ساخرة كسرت الصورة النمطية عن الإعاقة، ولامست أيضا موضوع الصحة النفسية. وقد امتاز عرضه بجرأة واضحة، إذ لم يستثن حتى الجمهور من سهامه الساخرة، الأمر الذي زاد من منسوب التفاعل داخل المدرجات.
بدوره، عاد طارق كيرا إلى تفاصيل الحياة العائلية الجزائرية، مستحضرا بيت العائلة الجزائرية في الأحياء الشعبية، وما تحمله من مواقف وتناقضات، قبل أن ينتقل إلى مرحلة بناء الحياة الخاصة. وقد وجد الجمهور في هذه التفاصيل اليومية مادة قريبة منه، فكانت الضحكات والتصفيقات حاضرة خلال مختلف فقرات عرضه.
“المشطة” تسخر من الرداءة وتضع إصبعها على الجرح
ولم تقتصر السهرة على عروض الستاند آب، إذ صنعت فرقة “المشطة”، بقيادة الفنان الشاب نجيب حساين و الثنائي آدم قصوري و خليفة، إحدى أكثر اللوحات إثارة للانتباه. فقد ارتدى حساين ورفيقاه شخصية فنانين مغمورين يحاولون الوصول إلى الشهرة بكل الطرق، حتى ولو كان الثمن هو التخلي عن القيمة الفنية.
وقدمت الفرقة هذا الواقع في قالب ساخر، مستحضرة مظاهر الرداءة التي باتت تطبع جزءا من المشهد الفني، خصوصا حين يصبح النجاح مرتبطا بالربح والمظاهر أكثر من ارتباطه بالثقافة والموهبة. كما تناولت بطريقة هزلية ظاهرة السطو على أعمال الآخرين ومحاولات ركوب موجة النجاح دون امتلاك مشروع فني حقيقي.
وفي عرض أحادي الجانب أقرب إلى الـ”وان مان شو”، واصل نجيب حساين تشريحه لظاهرة التنمر، موجها رسائل ضد التعصب الجهوي وكل أشكال التقليل من الآخر، ليؤكد أن الجزائر، بتنوعها وأبنائها، أكبر من كل هذه الحسابات. وهي الرسائل التي تلقاها الجمهور بالتصفيق، بعدما استطاع الفنان تمريرها دون الوقوع في فخ الوعظ المباشر.
أما آدم قصوري، فاختار أن يشتغل على فوبيا ركوب الطائرة، إلى جانب هواجس الشباب ورغبتهم في الابتعاد عن الخطوط الحمراء للآفات الاجتماعية. ونجح في تحويل هذه المواضيع إلى مواقف تفاعلية جعلت الجمهور شريكا في بناء اللحظة الكوميدية.
وليد صديقي يصنع الإستثناء ركحيا
صنع الفنان التلمساني وليد صديقي الاستثناء من خلال عرضه الكوميدي حيث لبس شخصية المزاجي الذي يحسب كل صغيرة و كبيرة في تعامله مع الأشخاص و يتصيد الأخطاء لدى الآخرين معتبرا نفسه شخصية مثالية و آخرون هم ما دونه كل ذلك جسده صديقي في قالب فكاهي تجاوبت معه الجماهير بالتصفيقات و الضحكات المتعالية, حيث أن كل واحد وجد شبيها لهاته الشخصية في الوسط الذي ينتمي إليه.
ترابي وخليفة…مسك الختام بضحك وذكريات جزائرية
ومن بين الأسماء التي تركت بصمتها خلال السهرة، برز الفنان جواد ترابي بعرض سردي تناول بلوغ سن الأربعين وما يرافقها من تغيرات جسدية ونفسية، بدءا من هاجس الأمراض وصولا إلى العصبية وتجارب الزواج. وتمكن ترابي من تحويل تفاصيل تبدو عادية في حياة الكثيرين إلى مشاهد ساخرة قريبة من الجمهور، فدخل إلى قلوب المتفرجين من دون استئذان.
أما خليفة، فاختار أن يسدل الستار على السهرة بأسلوب “السهل الممتنع”، مستثمرا العبارات الساخرة في مكانها، ومتوقفا عند واحدة من أكثر المناسبات التصاقا بالذاكرة الجزائرية: العرس. ومن التحضيرات الأولى إلى أجواء الحفل، وصولا إلى الأيام الأولى من الزواج، نسج خليفة سلسلة من المواقف التي فجرت القهقهات في المدرجات.
وهكذا أسدل الستار على “كيرا كوميدي” وسط انطباع إيجابي لدى الجمهور، الذي وجد في مختلف العروض مزيجا من الترفيه والرسائل الاجتماعية. فقد أثبتت السهرة، مرة أخرى، أن الكوميديا قادرة على الاقتراب من الواقع ومساءلته دون إسفاف، وأن الخشبة لا تزال قادرة على صناعة الضحكة الحقيقية حين تتوفر الفكرة والأداء والقدرة على التواصل مع الجمهور.
وبين ارتجال الفنانين وتصفيق الحاضرين، أكدت سهرة الميريديان أن الكوميديا الجزائرية ما تزال تملك ما تقوله، وأن الضحك حين يصنع بذكاء يمكن أن يكون رسالة فنية كاملة الأركان.